ابحث عن شاعر او قصيدة اوقصة

الباب السادس عشر في ذكر الوزراء وصفاتهم وأحوالهم وما أشبه ذلك





قال الله تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام ( واجعل لى وزيرا من أهلي ) فلو كان السلطان يستغني عن الوزراء لكان أحق الناس بذلك كليم الله موسى بن عمران عليه السلام ثم ذكر حكمة الوزارة فقال ( أشدد به أزري وأشركه في أمرى ) دلت هذه الآية على أن الوزار ة تشد قواعد المملكة وأن يفوض إليه السلطان إذا استكملت فيه الخصال المحمودة ثم قال ( كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا ) دلت هذه الآية على أن بصحبة العلماء والصالحين أهل الخبرة والمعرفة تنتظم أمور الدنيا وألآخرة وكما يحتاج أشجع الناس إلى السلاح وأفره الخيل الى السوط وأحد الشفار إلى المسن كذلك يحتاج أجل الملوك وأعظمهم وأعلمهم إلى الوزير
وروى أبو سعيد الخدرى رضي الله عنه قال ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة الا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصمة الله وقال وهب بن منبه قال موسى لفرعون آمن ولك الجنة ولك ملكك قال حتى أشاور هامان فشاوره في ذلك فقال له هامان بينما أنت إله تعبد إذ صرت تعبد فأنف واستكبر وكان من أمره ما كان وعلى هذا النمط كان وزير الحجاج يزيد بن مسلم لا يألوه خبالا ولبئس القرناء شر قرين لشر خدين وأشرف منازل الآدميين النبوة ثم


-------------------------------------

 المستطرف    [ جزء 1 - صفحة 207 ] 


الخلافة ثم الوزارة وفي الأمثال نعم الظهير الوزير وأولى ما يظهر نبل السلطان وقوة تمييزه وجودة عقله في انتخاب الوزراء واستنقاء الجلساء ومحادثة العقلاء فهذه ثلاث خلال تدل على كماله وبهذه الخلال يجمل في الخلق ذكره وترسخ في النفوس عظمته والمرء موسوم بقرينة وكان يقال حلية الملوك وزينتهم وزراؤهم
وفي كتاب كليلة ودمنة لا يصلح السلطان إلا بالوزراء والأعوان وقال شريح بن عبيد لم يكن في بني إسرائيل ملك إلا ومعه رجل حكيم إذا رآه غضبان كتب إليه صحائف وفي كل صحيفة أرحم المسكين واخش الموت واذكر الآخرة فكلما غضب الملك ناوله الحكيم صحيفة حتى يسكن غضبه ومثل الملك الخير والوزير السوء الذي يمنع الناس خيره ولا يمكنهم من الدنو منه كالماء الصافي فيه التمساح فلا يستطيع المرء دخوله وإن كان سابحا وإلى الماء محتاجا ومثل السلطان كمثل الطبيب ومثل الرعية كمثل المرضي ومثل الوزير كمثل السفير بين المرضى والأطباء فإذا كذب السفير بطل التدبير وكما أن السفير إذا أراد أن يقتل أحد من المرضى وصف للطبيب نقيض دائه فإذا سقاه كمثل الطبيب على صفة السفير هلك العليل كذلك الوزير ينقل إلى الملك ما ليس في الرجل فيقتله الملك فمن ههنا شرط في الوزير أن يكون صدوقا في لسانه عدلا في دينه مأمونا في أخلاقه بصيرا بأمور الرعية وتكون بطانة الوزير أيضا من أهل الأمانة والبصيرة وليحذر الملك أن يولى الوزارة لئيما فاللئيم إذا ارتفع جفا أقاربه وأنكر معارفه واستخف بالأشراف وتكبر على ذوي الفضل ودخل بعض الوزراء على بعض الخلفاء وكان الوزير من أهل العقل والأدب فوجد عنده رجلا ذميا كان الخليفة يميل إليه ويقربه فقال الوزير منشدا
( يا ملكا طاعته لازمه ... وحبه مفترض واجب )
( إن الذي شرفت من أجله ... يزعم هذا أنه كاذب )
وأشار إلى الذمي فاسأله يا أمير المؤمنين عن ذلك فسأله فلم


-------------------------------------

 المستطرف    [ جزء 1 - صفحة 208 ] 


يجد بدا من أن يقول هو صادق فاعترف بالاسلام وكان بعض الملوك قد كتب ثلاث رقاع وقال لوزيره إذا رأيتني غضبان فادفع إلي رقعة بعد رقعة وكان في الأولي أنك لست بإله وإنك ستموت وتعود إلى التراب فيأكل بعضك بعضا وفي الثانية ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء وفي الثالثة اقض بين الناس بحكم الله فانهم لا يصلحهم إلا ذلك ولما كانت أمور المملكة عائدة إلى الوزراء وأزمة الملوك في أكف الوزراء سبق فيهم من العقلاء المثل السائر فقالوا لا تغتر بمودة الأمير إذا غشك الوزير وإذا أحبك الوزير فنم لا تخش الأمير ومثل السلطان كالدار والوزير بابها فمن أتى الدار من بابها ولج ومن أتاها من غير بابها انزعج وموقع الوزارة من المملكة كموقع المرآة من البصر فكما أن من لم ينظر في المرآة لا يرى محاسن وجهه وعيوبه كذلك السلطان إذا لم يكن له وزير لا يعلم محاسن دولته وعيوبها ومن شروط الوزير أن يكون كثير الرحمة للخلق رؤوفا بهم
واعلم أنه ليس للوزير أن يكتم عن السلطان نصيحة وإن استقلها وموضع الوزير من المملكة كموضع العينين من الرأس وكما أن المرآة لا تريك وجهك الا بصفاء جوهرها وجودة صقلها ونقائها من الصدا كذلك السلطان لا يكمل أمره إلا بجودة عقل الوزير وصحة فهمه ونقاء قلبه والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين


-------------------------------------

 المستطرف    [ جزء 1 - صفحة 209 ] 


الباب السابع عشر في ذكر الحجاب والولاية وما فيها من الغرر والخطر
أما الحجاب
فقد قيل لا شيء أضيع للمملكة وأهلك للرعية من شدة الحجاب وقيل إذا سهل الحجاب أحجمت الرعية عن الظلم وإذا عظم الحجاب هجمت على الظلم وقال ميمون بن مهران كنت عند عمر بن عبد العزيز فقال لحاجبه من بالباب فقال رجل أناخ ناقته الآن يزعم أنه بلال مؤذن رسول الله فأذن له أن يدخل فلما دخل قال حدثني أبي أنه سمع رسول الله يقول من ولي شيئا من أمور المسلمين ثم حجب عنه حجبه الله عنه يوم القيامة فقال عمر لحاجبه إلزم بيتك فما رؤي على بابه بعد ذلك حاجب وكان خالد بن عبد الله القشيري يقول لحاجبه إذا أخذت مجلسي فلا تحجبن عني أحدا فإن الوالي لا يحتجب الا لثلاث عيب يكره أن يطلع عليه أحد أو ريبة يخاف منها أن تظهر أو بخل يكره معه أن يسأل شيئا وكانت العجم تقول لا شيء أضيع للمملكة من شدة حجاب الملك ولا شيء أهيب للرعية وأكف لهم عن الظلم من سهولته وقيل لبعض الحكماء ما الجرح الذي لا يندمل قال حاجة الكريم إلى اللئيم ثم يرده بغير قضائها قيل فما الذي هو أشد منه قال وقوف الشريف بباب الدنيء ثم لا يؤذن له ووقف عبد الله بن العباس العلوي على باب المأمون يوما فنظر إليه الحاجب ثم أطرق فقال عبد الله لقوم معه إنه لو أذن لنا لدخلنا ولو صرفنا لانصرفنا ولو اعتذر إلينا لقبلنا وأما النظرة بعد النظرة والتوقف بعد التعرف فلا أفهم معناه ثم تمثل بهذا البيت


-------------------------------------

 المستطرف    [ جزء 1 - صفحة 210 ] 


( وما عن رضى كان الحمار مطيتي ... ولكن من يمشي سيرضى بما ركب )
ثم انصرف فبلغ ذلك المأمون فضرب الحاجب ضربا شديدا وأمر لعبد الله بصلة جزيلة وعشر دواب
قال الشاعر
( رأيت أناسا يسرعون تبادرا ... إذا فتح البواب بابك أصبعا )
( ونحن جلوس ساكتون رزانة ... وحلما إلى أن يفتح الباب أجمعا )
ووقف رجل خراساني بباب أبي دلف العجلي حينا فلم يؤذن له فكتب رقعة وتلطف في وصولها إليه وفيها
( إذا كان الكريم له حجاب ... فما فضل الكريم على اللئيم )
فأجابه أبو دلف بقوله
( إذا كان الكريم قليل مال ... ولم يعذر تعلل بالحجاب )
( وأبواب الملوك محجبات ... فلا تستنكرن حجاب بإبي )
ومن محاسن النظم في ذم الاحتجاب قول بعضهم
( سأهجركم حتى يلين حجابكم ... على أنه لا بد سوف يلين )
( خذوا حذركم من صفوة الدهر إنها ... وإن لم تكن خانت فسوف تخون )
وقال آخر
( ماذا على بواب داركم الذي ... لم يعطنا إذنا ولا يستأذن )
( لو ردنا ردا جميلا عنكم ... أو كان يدفع بالتى هى أحسن )
وقال آخر
( أمرت بالتسهيل في الإذن لي ... ولم ير الحاجب أن يأذنا )
( فلن تراني بعدها عائدا ... ولن تراه بعد مستأذنا )


-------------------------------------

 المستطرف    [ جزء 1 - صفحة 211 ] 


وقال آخر
( ولقد رأيت بباب دارك جفوة ... فيها لحسن صنيعك التكدير )
( ما بال دارك حين تدخل جنة ... وبباب دارك منكر ونكير )
وقال آخر
( إذا جئت ألقى عند بابك حاجبا ... محياه من فرط الجهالة حالك )
( ومن عجب مغناك جنة قاصد ... وحاجبها من دون رضوان مالك )
وقال آخر
( سأترك بابا أنت تملك إذنه ... ولو كنت أعمى عن جميع المسالك
( فلو كنت بواب الجنان تركتها ... وحولت رجلي مسرعا نحو مالك )
وقال آخر
( ماذا يفيدك أن تكون محجبا ... والعبد بالباب الكريم يلوذ )
( ما أنت إلا في الحصار معي فلا ... تتعب فكل محاصر مأخوذ )
وقال أبو تمام
( سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى يلين قليلا )
( فما خاب من لم يأته متعمدا ... ولا فاز من قد نال منه وصولا
( إذا لم نجد للإذن عندك موضعا ... وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا )
واستأذن رجل على أمير فقال للحاجب قل له إن الكرى قد خطب إلى نفسي وإنما هي هجعة وأهب فخرج الحاجب فقال له الرجل ما الذي قال لك قال قال كلاما لا أفهمه وهو يريد أن لا يأذن لك وقال على بن أبي طالب رضي الله عنه إنما أمهل فرعون مع دعواه الألوهية لسهولة إذنه وبذل طعامه وقال عمرو بن مرة الجهني لمعاوية سمعت رسول الله يقول ما من أمير يغلق بابه دون ذوي الحاجة


-------------------------------------

 المستطرف    [ جزء 1 - صفحة 212 ] 


والخلة والمسألة إلا أغلق الله أبواب السموات دون حاجته وخلته ومسألته وجاء النامي الشاعر لبعض الأمراء فحجبه فقال
( سأصبر إن جفوت فكم صبرنا ... لمثلك من امير أو وزير )
( رجوناهم فلما أخلفونا ... تمادت فيهم غير الدهور )
( فبتنا بالسلامة وهي غنم ... وباتوا في المحابس والقبور )
( ولما لم ننل منهم سرورا ... رأينا فيهم كل السرور )
وأنشدوا في ذلك ايضا
( قل للذين تحجبوا عن راغب ... بمنازل من دونها الحجاب )
( إن حال عن لقياكم بوابكم ... فالله ليس لبابه بواب )
واستاذن سعد بن مالك على معاوية فحجبه فهتف بالبكاء فأتى الناس وفيهم كعب فقال وما يبكيك ياسعد فقال ومالي لا أبكي وقد ذهب الأعلام من أصحاب رسول الله ومعاوية يلعب بهذه الأمة فقال كعب لا تبك فإن في الجنة قصرا من ذهب يقال له عدن أهله الصديقون والشهداء وأنا أرجو أن تكون من أهله واستأذن بعضهم على خليفة كريم وحاجبه لئيم فحجبه فقال
( في كل يوم لي ببابك وقفة ... أطوي إليه سائر الأبواب )
( وإذا حضرت رغبت عنك فإنه ... ذنب عقوبته على البواب )
وأما ذكر الولايات وما فيها من الخطر العظيم
فقد قال الله تعالى لداود عليه السلام ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب )


-------------------------------------

 المستطرف    [ جزء 1 - صفحة 213 ] 


جاء في التفسير إن من أتباع الهوى أن يحضر الخصمان بين يديك فتود أن يكون الحق للذي في قلبك محبة خاصة وبهذا سلب سليمان بن داود ملكه قال ابن عباس رضي الله عنهما كان الذي اصاب سليمان بن داود عليهما السلام أن ناسا من أهل جرادة امرأته وكانت من أكرم نسائه عليه تحاكموا إليه مع غيرهم فأحب أن يكون الحق لأهل جرادة فيقضي لهم فعوقب بسبب ذلك حيث لم يكن هواه فيهم واحد ا
وروى عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال قال لي رسول الله يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة عنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وقال معقل بن يسار رضي الله عنه سمعت النبي يقول ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصيحته إلا لم يجد رائحة الجنة
وفي الحديث من ولي من أمور المسلمين شيئا ثم لم يحطهم بنصيحته كما يحوط أهل بيته فليتبوأ مقعده من النار وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى عاصم يستعمله على الصدقة فأبي وقال سمعت رسول الله يقول إذا كان يوم القيامة يؤتي بالوالى فيقف على جسر جهنم فيأمر الله تعالى الجسر فينتفض انتفاضة فيزول كل عضو منه عن مكانه ثم يأمر الله تعالى بالعظام فترجع إلى أماكنها فإن كان لله مطيعا أخذ بيده وأعطاه كفلين من رحمته وإن كان لله عاصيا انخرق به الجسر فهوى به في نار جهنم مقدار سبعين خريفا فقال عمر رضي الله عنه سمعت من النبي ما لم أسمع قال نعم وكان سلمان وأبو ذر حاضرين فقال سلمان اى والله يا عمر ومع السبعين سبعون خريفا في واد يلتهب التهابا فضرب عمر رضي الله عنه بيده على جبهته وقال إنا لله وإنا إليه راجعون من يأخذها بما فيها فقال سلمان من أرغم الله أنفه وألصق خده بالأرض
وروى أبو داود في السنن قال جاء رجل إلى رسول الله فقال


-------------------------------------

 المستطرف    [ جزء 1 - صفحة 214 ] 


يا رسول الله إن أبي عريف على الماء وإني أسألك أن تجعل لي العرافة من بعده فقال النبي العرفاء في النار وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الإمام الجائر وقالت عائشة رضي الله عنها سمعت رسول الله يقول يؤتي بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقي من شدة الحساب ما يود أنه لم يقض بين اثنين في تمرة وقال الحسن البصري إن النبي دعا عبد الرحمن بن سمرة يستعمله فقال يا رسول الله خر لى فقال اقعد في بيتك وقال أبو هريرة رضي الله عنه ما من أمير يؤمر على عشرة الا جيء به يوم القيامة مغلولا أنجاه عمله أو أهلكه وقال طاوس لسليمان بن عبد الملك هل تدرى يا أمير المؤمنين من أشد الناس عذابا يوم القيامة قال سليمان قل فقال طاوس أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في ملكه فجار في حكمه فاستلقى سليمان على سريره وهو يبكي فما زال يبكي حتى قام عنه جلساؤه وقال ابن سيرين جاء صبيان إلى أبي عبيدة السلماني يتخيرون إليه في ألواحهم فلم ينظر إليها وقال هذا حكم لا أتولى حكما أبدا وقال ابو بكر بن أبي مريم حج قوم فمات صاحب لهم بأرض فلاة فلم يجدوا ماء فأتاهم رجل فقالوا له دلنا على الماء فقال احلفوا لي ثلاثا وثلاثين يمينا أنه لم يكن صرافا ولا مكاسا ولا عريفا ويروى ولا عرافا ولا بريدا وأنا أدلكم على الماء فحلفوا له ثلاثا وثلاثين يمينا كما تقدم فحلفوا له فأعانهم على غسلة ثم قالوا له تقدم فصل عليه فقال لا حتى تحلفوا لي ثلاثا وثلاثين يمينالا كما تقدم فحلفوا له فصلى عليه ثم التفتوا فلم يجدوا احدا فكانوا يرون أنه الخضر عليه السلام وقال أبو ذر رضي الله عنه قال لي رسول الله يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي وإني اراك ضعيفا فلا تتأمرن على أثنين ولا تلين مال يتيم
ومن غريب ما اتفق وعجيب ما سبق
ما حكى أن ملكا من ملوك الفرس يقال له أردشير وكان ذا مملكة


-------------------------------------

 المستطرف    [ جزء 1 - صفحة 215 ] 


متسعة وجند كثير وكان ذا بأس شديد قد وصف له بنت ملك بحر الأردن بالجمال البارع وأن هذه البنت بكر ذات خدر فسير أردشير من يخطبها من أبيها فامتنع من إجابته ولم يرض بذلك فعظم ذلك على أردشير وأقسم بالأيمان المغلظة ليغزون الملك أبا البنت وليقتلنه هو وابنته شر قتلة وليمثلن بهما أخبث مثلة فسار إليه أردشير في جيوشه فقاتله فقتله أردشير وقتل سائر خواصه ثم سأل عن ابنته المخطوبة فبرزت إليه جارية من القصر من أجمل النساء وأكمل البنات حسنا وجمالا وقدرا واعتدالا فبهت أردشير من رؤيته إياها فقالت له أيها الملك إنني ابنة الملك الفلاني ملك المدينة الفلانية وأن الملك الذي قتلته أنت قد غزا بلدنا وقتل أبي وقتل سائر أصحابه قبل أن تقتله أنت وأنه أسرني في جملة الأساري وأتي بي في هذا القصر فلما رأتني ابنته التي أرسلت تخطبها أحبتني وسألت أباها أن يتركني عندها لتأنس بي فتركني لها فكنت أنا وهي كأننا روحان في جسد واحد فلما أرسلت تخطبها خاف أبوها عليها منك فأرسلها إلى بعض الجزائر في البحر الملح عند بعض أقاربة من الملوك فقال أردشير وددت لو أني ظفرت بها فكنت أقتلها شر قتلة ثم أنه تأمل الجارية فراها فائقة في الجمال فمالت نفسه اليها فأخذها للتسري وقال هذه أجنبية من الملك ولا أحنث في يميني بأخذها ثم انه واقعها وأزال بكارتها فحملت منه فلما طهر عليها الحمل اتفق أنها تحدثت معه يوما وقد رأته منشرح الصدر فقالت له أنت غلبت أبي وأنا غلبتك فقال لها ومن أبوك فقالت له ملك بحر الأردن وأنا ابنته التى خطبتها منه وأنني سمعت أنك أقسمت لتقتلني فتحيلت عليك بما سمعت والآن هذا ولدك في بطني فلا يتهيأ لك قتلى فعظم ذلك على أردشير إذ قهرته امرأة وتحيلت عليه حتى تخلصت من يديه فانتهرها وخرج من عندها مغضبا وعول على قتلها ثم ذكر لوزيره ما اتفق له معها فلما رأى الوزير عزمه قويا على قتلها خشي أن تتحدث الملوك عنه بمثل هذا وأنه لا يقبل فيها شفاعة شافع فقال أيها الملك إن الرأي هو الذي خطر لك والمصلحة هي التي رأيتها أنت وقتل هذه الجارية في هذا الوقت أولى وهو عين


-------------------------------------

 المستطرف    [ جزء 1 - صفحة 216 ]  


الصواب لأنه أحق من أن يقال أن امرأة قهرت رأي الملك وحنثته في يمينه لأجل شهوة النفس ثم قال أيها الملك إن صورتها مرحومة وحمل الملك معها وهي أولى بالستر ولا أرى في قتلها أستر ولا أهون عليها من الغرق فقال له الملك نعم ما رأيت خذها غرقها فأخذها الوزير ثم خرج بها ليلا إلى بحر الأردن ومعه ضوء ورجال وأعوان فتحيل إلى أن طرح شيئا في البحر أوهم من كان معه أنها الجارية ثم إنه أخفاها عنده فلما أصبح جاء إلى الملك فأخبره أنه غرقها فشكره على ما فعل ثم إن الوزير ناول الملك حقا مختوما وقال أيها الملك إني نظرت مولدي فرأيت أجلي قد دنا على ما يقتضيه حساب حكماء الفرس في النجوم وإن لي أولادا وعندى مال قد ادخرته من نعمتك فخذه إذا أنا مت إن رأيت وهذا الحق فيه جوهر أسأل الملك أن يقسمه بين أولادي بالسوية فإنه إرثي الذي قد ورثته من أبي وليس عندي شيء ما كتسبته منه الا هذا الجوهر فقال له الملك يطول الرب في عمرك ومالك لك ولأولادك سواء كنت حيا أو ميتا فألح عليه الوزير أن يجعل الحق عنده وديعة فأخذه الملك وأودعه عنده في صندوق ثم مضت أشهر الجارية فوضعت ولدا ذكرا جميلا حسن الخلقة مثل فلقة القمر فلاحظ الوزير جانب الأدب في تسميته فرأى أنه إن اخترع له اسما وسماه به وظهر لوالده بعد ذلك فيكون قد أساء الأدب وإن هو تركه بلا إسم لم يتهيأ له ذلك فسماه شاه بور ومعنى شاه بور بالفارسية ابن ملك فإن شاه ملك وبور ابن ولغتهم مبنية على تأخير المتقدم وتقديم المتأخر وهذه تسمية ليس فيها مؤاخذة ولم يزل الوزير يلاطف الجارية والولد إلى أن بلغ الولد حد التعليم فعلمه كل ما يصلح لأولاد الملوك من الخط والحكمة والفروسية وهو يوهم أنه مملوك له اسمه شاه بور إلى أن راهق البلوغ هذا كله واردشير ليس له ولد وقد طعن في السن وأقعده الهرم فمرض وأشرف على الموت فقال للوزير أيها الوزير قد هرم جسمي وضعفت قوتي وأني أرى أني ميت لا محالة وهذا الملك يأخذه من بعدي من قضي له به فقال الوزير لو شاء الله أن يكون


-------------------------------------

 المستطرف    [ جزء 1 - صفحة 217 ] 


للملك ولد وكان قد ولي بعده الملك ثم ذكره بأمر بنت ملك بحر الأردن وبحملها فقال الملك لقد ندمت على تغريقها ولو كنت أبقيتها حتى تضع فلعل حملها يكون ذكرا فلما شاهد الوزير من الملك الرضا قال أيها الملك إنها عندى حية ولقد ولدت وضعت ولدا ذكرا من أحسن الغلمان خلقا و خلقا فقال الملك أحق ما تقول فأقسم الوزير أن نعم ثم قال أيها الملك إن في الولد روحانية تشهد بأبوة الأب وفي الولد روحانية تشهد ببنوة الأبن لا يكاد ذلك ينخرم ابدا وإنني آتي بهذا الغلام بين عشرين غلاما في سنه وهيئته ولباسه وكلهم ذوو آباء معروفين خلا هو وإني أعطي كل واحد منهم صولجانا وكرة وآمرهم أن يلعبوا بين يديك في مجلسك هذا ويتأمل الملك صورهم وخلقتهم وشمائلهم فكل من مالت إليه نفسه وروحانيته فهو هو فقال الملك نعم التدبير الذي قلت فأحضرهم الوزير على هذه الصورة ولعبوا بين يدي الملك فكان الصبي منهم إذا ضرب الكرة وقربت من مجلس الملك تمنعه الهيبة أن يتقدم ليأخذها إلا شاه بور فإنه كان إذا ضربها وجاءت عند مرتبة أبية تقدم فأخذها ولا تأخذه الهيبة منه فلاحظ أردشير ذلك منه مرارا فقال أيها الغلام ما اسمك قال شاه بور فقال له صدقت أنت ابني حقا ثم ضمه إليه وقبله بين عينيه فقال له الوزير هذا هو إبنك أيها الملك ثم أحضره بقية الصبيان ومعهم عدول فأثبت لكل صبي منهم والدا بحضرة الملك فتحقق الصدق في ذلك ثم جاءت الجارية وقد تضاعف حسنها وجمالها فقبلت يد الملك فرضي عنها فقال الوزير أيها الملك قد دعت الضروة في هذا الوقت إلى إحضار الحق المختوم فأمر الملك بإحضاره ثم أخذه الوزير وفك ختمه وفتحة فإذا فيه ذكر الوزير وأنثياه مقطوعة مصانة فيه من قبل أن يتسلم الجارية من الملك وأحضر عدولا من الحكماء وهم الذين كانوا فعلوا به ذلك فشهدوا عند الملك بأن هذا الفعل فعلناه به من قبل أن يتسلم الجارية بليلة واحدة قال فدهش الملك أردشير وبهت لما أبداه هذا الوزير من قوة النفس في الخدمة وشدة مناصحته فزاد سروره وتضاعف فرحه


-------------------------------------

 المستطرف    [ جزء 1 - صفحة 218 ] 


لصيانة الجارية وإثبات نسب الولد ولحوقه به ثم ان الملك عوفي من مرضه الذي كان به وصح جسمه ولم يزل يتقلب في نعمة وهو مسرور بابنه إلى أن حضرته الوفاة ورجع الملك إلى ابنه شاه بور بعد موت أبيه وصار ذلك الوزير يخدم ابن الملك أردشير وشاه بور يحفظ مقامه ويرعي منزلته حتى توفاه الله تعالى والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين


-------------------------------------

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق