... ولم يعد المطر يهطل على الورقة
|
حينما أخطّ اسمك عليها.. ولم تعد العصافير
|
تقطن أعشاش حروفه ونقاطه...
|
ولم يعد قلمي يغرورق بالحنين، ويحاول الانتحار
|
حينما أسطّر به عبارة "وداعاً" لزمنك..
|
ولم تعد محبرتي
|
تستحيل بحراً شاسع الزرقة والضوء
|
وهي تسيل حباً في رسائل تمجيد لعينيك..
|
وها أنت تتحوّل في برادات النسيان،
|
إلى ذكرى مثلجة وبغيضة،
|
كجثث المجرمين الذين لا يتعرف عليهم أحد...
|
كم كنت أكره تعليب حبنا في قصائد..
|
تمهيداً لدفنه في تابوت له دفتا كتاب...
|
بعدما كان طليقاً في الغابات والبراري والشواطئ..
|
بين صور وبعلبك وبرمانا والأرز.. و..و..
|
ولكنك أضرمت النار في دفتر الأشجار..
|
وكان حبك عيداً من الصفاء والأمل،
|
فصار كرنفالاً في مصحّ عقلي
|
أطباؤه أعنف مجانينه!..
|
***
|
لا أستطيع أن أتملقك كما يفعلون..
|
ولا الادعاء بأن مسدسك أنيق وشفاف،
|
ورصاصك موهوب، ومدافعك كمنجات الفرح
|
ومتاريس رملك تحف معمارية..
|
ومجازرك "تكتيك" بارع لإستراتيجية "إنسانية"..
|
وأنت تستحم بلعنات المشردين والمعاقين والثكالى..
|
وتذبح عيد الأطفال،
|
وتشنقهم من شعرهم إلى الأراجيح
|
وتصنع من جلودهم المسلوخة أحذية لمرتزقتك..
|
وتطرب لجوقة قراصنتك، وناهبي سفن الأبجدية
|
وهم ينشدون "فعولن مفاعيلن" لمجدك..
|
والأفاعي تشاركهم الفحيح..
|
والأيدي المقطوعة تصفّق في فراغ الوطن،
|
ونحن نحتضر في الملاجئ لحكمةٍ نجهلها!...
|
***
|
لأن وهج الشعارات ليس خبزاً وحرية وأمناً
|
لم يعد بوسعي اختراع التبريرات لجنونك الموسمي..
|
... ولم يعدْ جلدي يرحّب ببصماتك..
|
فمكانها في متحف المجرمين السفاحين الكبار...
|
وأنا أنتمي إلى قافلة الشعراء "الحمقى"،
|
الذين يجهلون مزايا التغزل بالجزرة والعصا معاً،
|
فابحث عن مؤرخ سواء..
|
يُزيّف تاريخك مع الخنجر والدم والعيون المفقوءة،
|
على طول خمسة عشر عاماً من الظلمات،
|
واختطاف العيد رهينة في أقبية غرورك...
|
***
|
بكاء يركض في الشوارع عاري القدمين
|
كالأطفال المذعورين من القنابل والألغام معاً..
|
.. كان حبك كقبعة الحاوي المشعوذ،
|
خاوياً، ومليئاً بالأوهام الجميلة الملوّنة...
|
وصرت حينما تقبّلني
|
أتحول من أميرة إلى ضفدع
|
وأكون مستيقظة، فأنام دهراً من الكوابيس...
|
تعبت منك، ومن أقنعتك وألسنتك وببغائياتك..
|
تعبت من سفاحي ملصقاتك، طواويس الغطرسة..
|
"شهداء" النهب في شتاءات الدم واللعنة..
|
تعبت من الخرائب المعلّقة والأوبئة في ركابك...
|
والحرائق تشتعل في موطئ قدميك..
|
تعبت من محاضراتك عن "الكادحين"
|
في فنادق "الباهامس" ومنتجعات "هاواي"...
|
وتعبت من بياناتك عن "المسحوقين"
|
تسطّرها في طائرتك الخاصة
|
وأنت تغط قلمك في سواد الكافيار الإيراني..
|
سئمت محاضراتك عن التُقى،
|
ورائحة الشمبانيا تهب من فمك،
|
وبالرغم من عبير عطرك الفرنسي الثمين،
|
تظل تفوح منك روائح أدوية تحنيطك..
|
وفي ظل هذيانك "النضالي" المزور و "رفاقك"
|
صار العيد يطارحنا البكاء
|
والهجرة تراودنا عن أنفسنا..
|
والموت يغتصبنا في الملاجى..
|
***
|
لم تترك لنا من العيد غير زيارة المقابر...
|
أركض في مقبرة لبنان الشاسعة..
|
أقرع شواهد قبور أحبائي بطرف قلمي
|
يطلعون منها ودمهم ما زال ينزف
|
ويسألونني : لماذا استدعيتنا! هل تبدّل شيء؟
|
هل عادت أميرة الحرية من غيبوبتها
|
وانتهت مهرجانات مصاصي الدماء؟
|
وهل صار العيد ضيفاً مكرماً
|
في شوارع العويل والكراهية العمياء؟
|
وأدفن نفسي في أكفان خجلي منهم،
|
وأهمس بعار تلميذ كسول: لا... لم...
|
ويعاتبني الأموات: إذاً لماذا استدعيتنا؟
|
وأنهمر أشواقاً وحزناً وبكاءً: لقد افتقدتكم!...
|