ابحث عن شاعر او قصيدة اوقصة

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص شعبية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص شعبية. إظهار كافة الرسائل

قصة قيس وليلى (الحب العذري)

قصة قيس بن الملوح المجنون بحب ليلى العامرية.
ولادته ونشأته ودياره:
مجنون ليلى هو قيس بن الملوح بن مزاحم بن عدس بن ربيعه بن جعده بن كعب من بلاد نجد من قبيلة بني عامر ولد في سنة (440) في عهد خلافة عبدالملك بن مروان من خلفاء بني أميه ونشأ قيس مترعرعا فطنا ذكيا وورث عن أبيه شعر العرب وأخبارهم وعلّمه أبوه ببلدة اسمها القطيف قرب ديار نجد فتفوق في الأدب ومعرفة النجوم للسير ليلا فكان رجلا رزينا دمث الأخلاق محبا للمكارم , ومن الدليل أن اسمه قيس هو قول صاحبته ليلى فيه:
ألا ليت شعري والخطوب كثيرة متى رحل قيس مستقل وراجع
وكان مديد القامة, جعد الشعر أبيض اللون ولم ينله الهزال والجنون إلا من العشق والهيام.
أما صاحبته فهي ليلى بنت مهدي بن سعد بن ربيعة ابن الحريش بن 
كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وتكنى أم مالك وقد قال قيس فيها :
تكاد بلاد الله يا أم مالك بما رحبت يوما عليّ تضيق 
وهي ابنة عم قيس وكانت سكناهما في بلدة اسمها النجوع قرب ديار 
نجد ولدت سنة اربعمائة واربعة واربعين هجرية وكان قيس اكبر منها بأربعة اعوام وكانت بيضاء اللون ولها عينان ساحرتان بشكل جذاب 
معتدلة القوام وكانت هي وقيس صبيان يجمع بينهما القرابة والرحم فعلق كل واحد منهما صاحبه . وكانا يرعيان مواشي اهلهما ولم يزالا على تلك الحاله حتى كبر كل منهما , فحجبت عنه ليلى فجن جنونه بها , وازداد شغفه بحبها وضاق صدره وأنشد قائلا:
تعلقت ليلى وهي ذات ذؤابة ولم يبد للاتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم ياليت أننا إلا اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم 
قيل ومر وقت طويل لم يرى فيه ليلى وذلك من يوم أن حجبت عنه, وجرى عليه مالم يجري على قلب بشر , وهو يكابد ألم الفراق ولما اشتد به ذلك خرج من داره وركب ناقته , وكان عليه حلتان من حلل الملوك الفاخرة فمرّ بإمرأة من قومه يقال لها كريمة , وكان عندها نسوة يتحدثن فأعجبهم حسنه وجماله فدعونه للنزول والحديث معه , فنزل وكانت ليلى بين تلك النسوة فجعل يحادثهن ويقلب طرفه حولهن فبينما هو كذلك إذ وقعت عينه على ليلى فلم يصرف عنها طرفا وشاغلته عنها فلم يشتغل وأنشد لها الشعر:
سحرتني ليلى بسواد عينها إنما السحر في سواد العيون
فلما سمعت ليلى شعره ذرفت عيناها بالدموع وكانت تخفي دموعها بطرف قناعها, فعلم قيس ما عندها له من الحب وجاء إلى ليلى وقال لها: اعندكن ما تأكلن ؟ فقالت له ليلى : لا. فعمد على ناقته فنحرها وقطعها. فقامت ليلى لتمسك معه اللحم فجعل يحز بالمدية في كفه وهو شاخص فيها حتى اعرّق كفه فجذبته من يده , فقام قيس وطرح من اللحم شيئا على الغضا وأقبل يحادثها فقالت له : انظر إلى اللحم هل استوى؟ فمدّ يده الى الجمر وجعل يقلب بها اللحم فاحترقت يده ولم يشعر فلما ماعلمت ما داخله من الحب صرفته عن ذلك ثم شدت يده بهدب قناعها وقد ذهب عقله وتحكم عشقهامن قلبه . 
فاقام معهن بياض ذلك اليوم الى أن أقبل المساء فبينما هم على ذلك إذ أقبل عليهن غلام شاب جميل الطلعة مليح الوجه له عينان ساحرتان وفوق خده خال أسود وهو من حيهن يدعى منازل وكان يسوق غنما له فلما رأته تلك النسوة وما هو فيه من الجمال انصرفن اليه وأقبلن بوجوههن عليه يقلن له كيف ظللت يا منازل وكانت ليلى أيضا ممن انصرفن ,وتركن قيس فاغتاظ غيظا شديدا وقال لمنازل : هلّم نتصارع أو تتركهن؟ فنظر الفتى لوجه قيس وعلم ما حل به من الغيظ فخجل واستحى ثم ترك النسوة ورحل. قال الراوي لما رأت ليلى قيسا قام غاضبا علمت انه تكدّر من ذلك صاحت به واستدعته للمحادثة معها وكان قد داخلها الحب فقالت : هل لك في محادثة من لا يصرفه عنك صارف ؟ قال: ومن لي بذلك؟
وتحدثا إلى ان افترقا وذهب كل منهم إلى بيته واشتعل قلب كل واحد منهما بحب الآخروالتهبت قلوبهم بنار الغرام .وفي الصباح انتظرت قيسا لعله يمر عليها فبينما هي كذلك إذ أقبل قيس على ناقة حمراء وعليه حلة فاخرة فسلم ودعته للنزول وأرادت أن تعلم إن كان يحبها فاشتغلت تتحدث مع غيره من الجواري والتهت بهن فنظرت إلى قيس وقد امتقع لونه فأنشدت ليلى :
كلانا مظهر للناس بغضا وكل عند صاحبه مكين
تبلغنا العيون بما اردنا وفي القلبين ثم هوى دفين
فطب نفسا وقر عينـــــا فإن هواك في قلبي معين
فعندما سمع قولها شهق شهقة شديدة وخر مغشيا عليه فلما أفاق أنشد :
أحبك حبا لو تحبين مثله أصابك من وجدي عليّ جنونٍ
فيا نفس صبرا لاتكوني لجوجة فما قد قضى الرحمن فهو يكون
فتمكن حب كل واحد منهما في قلب صاحبه ثم مكثا مجتمعين إلى المساء فانصرف كل إلى بيته.
قال الراوي: فبات قيس تلك الليلة كأطول ليلة في حياته وحتى إذا صبح الصباح ذهب إليها وعاد في المساء فبات ليلته أطول من السابقة ولم ينم فانشد:
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا لي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ويجمعني الهم بالليل جامع
لقد ثبتت في القلب منك محبة كما ثبتت في الراحتين الأصابع
فكان يأتيها كل يوم وذات يوم جاء قوم من العشيرة يريدون أدما فأمر أبو ليلى ليلى أن تحضر السمن فاستبطأها وعندما ذهب وجدها مع قيس يشكوان الغرام ولما سمع شعر قيس استعظم الأمر ولطم ليلى على خدها وأدخلها الدار وطرد قيسا ومنعها الزيارة في الليل والنهار خوفا من الفضيحة والعار.
قال : وقد تسامع أهل الحيّ بعشق قيس لليلى ومنع ابوها قيس من زيارتهم وقال له الناس ليس لك ان تدخل بيت ليلى بعد هذا فلما سمع قولهم بكى وقال: إن الذي بي ليس بهين فأقلوا من كلامكم فإني لست بسامع ولا مطيع فوصل كلامه لوالد ليلى وشكاه إلى الخليفة عبدالملك بن مروان فكتب عبدالملك إلى عامله بإهدار دم قيس إن هو زار ليلى وتحسر قيس وقال:
فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها مقالة واش أو وعيد أمير 
فلن يمنعوا عيني من دائم البكا ولم يذهبوا ما قد أجن ضميري
فلما يئس قيس من زيارة ليلى خرج هائما في القفار حتى أشرف على الهلاك فلحقه أهله فدعوه فلم يستجب لهم وعندما علمت ليلى بحاله أشفقت عليه وأمرت جاريتها أن تذهب لقيس وتواسيه وترثي حال ليلى إليه . فضعف جسمه وقيل أن قيس بن ذريح مجنون لبنى سمع به وأراد لقائه فلما رآه عرفه وسلم عليه فلم يرد فقام إليه فحضنه وتباكيا ساعة من الزمن على ماحلّ بهما من العشق.
ظل هذا حال قيس هائما وباكيا , واشتهر أمرهما بين العرب , فكان قيس يتسلل إلى ديار ليلى فحذر القوم والده فقال لقيس: إن القوم يريدون قتلك وإني اخاف عليك يا بني ان يغدر فيك عمك فلا تفجعني فيك ! ولما يئس قيس قلق قلقا شديدا وأصبح يلعب بالعظام والتراب ولكن والد ليلى أقسم أن قيسا ظل يهجم على بيوتهم وقد سبق أن شكوه إلى عبدالملك وتوعد بقتله فلم يرعه ذلك وقال قيس : الموت أروح لي فليتهم قتلوني. فخاف والدها من الفضيحة وارتحلوا فأصبح قيس يزور آثار ديارها ويستعبر ويبكي, ومرّ وقت طويل لم يسمع عنها شيء فمرض حتىأشرف على الهلاك ودخل عليه والده يعلله فوجده هائما ينشد في حب ليلى فما هان حاله على أبيه وأخذ جماعة من قومه يصحبهم قيس إلى ديار ليلى ونزلوا ضيوفا على أبيها وتحادثا في أمر قيس وليلى ودفع لوالد ليلى خمسين بعيرا حمراء وراعيها مهرا لليلى فلم يقبل أبوها وجاء في الوقت ذاته قوم من ثقيف يخطبون ليلى لرجل يدعى ورد وكان جميلا فقال أبوها نخيّرها بين الاثنين , ودخل على ليلى وقال لها : إن لم تختاري وردا لأمثلن بك. فاختارته وهي كارهة ومجبرة فخرج غلى القوم وقال : إن ليلى قد اختارت وردا , فغضب والد قيس وخرج ومعهم قيس هائما وقام عليه أبناء عمه فحادثوه في النسيان فازداد في الهيام وعزم على التوحش والخروج إلى الصحاري فأشار بعضهم ان يُأخذ إلى البيت الحرام لعله يسلى ثم توجهوا جميعا إلى الحرم فقال له والده : تعلق بأستار الكعبة واسأل الله أن يعافيك مما انت فيه من حب لليلى فلما تعلق قيس بأستار الكعبة قال: اللهم زدني لليى حبا وبها كلفا ولا تنسني ذكرها أبدا.
وفي نفس السنة اخذت ليلى إلى الحج بسبب مرضها علّ ما يشفيها هناك والتقت بقيس في رمي الجمرات فقالت له : قيس!! فقال : أهلا بليلى. ورآه والد ليلى فأقبل ورحلت وهي تبكي فعلم أنها تحبه ثار غضبه ولطمها حتى سقطت من الهودج ثم ارتحلوا فلحقهم قيسا حتى امسكوه ونظر إلى الركب الراحل وإلى خف بعير ليلى فأكب عليه يقبله , وعند هذا أسرع والد ليلى في تزويجها من ورد وبعد ان تزوجته لم تنشف لها دمعه ولا تبرد لها لوعة حبا في قيس وخوفا عليه وعرضوها على سائر الأطباء وقد عجزوا عن دوائها .
وكان لقيس ابن عم يدعى زياد فذهب معه ولزمه في وحشته فيقول زياد: انه كان يقول الشعر فلما انتهى صرخ صرخة خلت روحه غادرت جسده ثم سقط على وجهه وقد شج جبينه وسال الدم وغاب عن صوابه فأصابني الذهول لحالته وقام وهو يتخيل ليلى وينظر إلى الجبل ويقول : انظر إلى ليلى ..ليلى فقلت له انه واهم لكنه كان مبتسما وهو يتذكرها في صباها عندما كانا يرعيان الاغنام فقلت له: دع هذه الوساوس وإلا تركتك ثم بكى فقلت : اصبر وتجلد فإني لا افارقك حتى نرى ما يكون المصير.
ذهب زياد ليصطاد شيئا وبعد ان ترك قيس لوحده رأى قيس صيادا يلاحق غزالة من غزلان المسك فوقعت في الفخ وأسرع اليها قيسا واحتضنها وأمعن النظر في عينيها فوجدهما تشبهان ليلى وخفة حركتها كرشاقة ليلى فقبلها وأطلق سراحها وكان الصياد يصرخ به فلم
يسمعه إلى أن ضربه فقال له: قطعك الله كما قطعت رزقي فقال له قيس: كفاني ياهذا ما ضربتني فإن عيناها تشبه عين ليلى واكمل سيره وهو يقول : ليلى ..ليلى.. 
أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني لك اليوم من دون الوحوش صديق
ويا شبه ليلى لو توقفت ساعة لعل فؤادي من جواه يفيق
فعيناك عيناها وجيدك جيدها سوى ان عظم الساق منك دقيق
فتغير حال الصياد وأصابه الذهول وسأل قيسا : ماهذه الفعال؟ فقال له قيس وقد اشتد به الجوى وعظم مصابه لا تلمني فإن عينيها تشبه عين ليلى فتركه الصياد وهو يهذي بليلى!
فلما رجع زياد ولم يجد قيسا خرج يبحث عنه, فرأى شبحا فإذا هو قيس فأقبل يمسح عنه التراب فوجدا رجلا قادما من ديار ليلى فسأله قيس عن حال ليلى فنظر إليه الرجل وقال: قيس؟ فقال : نعم فذهب مسرعا ولكن قيس أمسكه واستحلفه أن يخبره عن ليلى فأخبره أنها مريضة جدا فقال قيس: ليتك يا قيس أنت المريض وليلى المعافاه.
ثم ذهب قيس إلى الخباء ولما جلس أخذته سنة من النوم لألم الصداع الذي في رأسه وكان يرى في نومه ليلى وهي تحدثه وتعاتبه على ما فعله بنفسه فانتبه من نومه ووجد زياد أمامه فتذكر ليلى وصار ينشد ويصرخ بإسمها:
يقولون ليلى بتيماء مريضة
فمالك لا تضنى وأنت صديق 
قال : لما سمع اهل الحي صراخه أتوا إليه وسقوه لبنا وواعدوه بليلى وفجأة قام من بينهم ومرق كالسهم متبطنا الصحراء وهو ينادي بأعلى صوته.. ليلى ليلى لبيك ها انا واقف بخبائك ولحقوه وأمسكوا به ولاطفوه حتى رجعوا به فقال له زياد: أننا غدا سنرحل إلى وادي تيماء فقال قيس: أحقا ما تقول؟ قال زياد: لقد أخذت على نفسي عهدا بذلك! وبات قيس ليلته قلقا ينتظر الصباح .
أما ماكان من أمر ليلى فإنها وصلت لوادي تيماء وقد أعياها المرض وعجز الكل عن مداواتها ولم يكن بها مرض سوى فراق قيس فأفضت إلى جاريتها مرجانه : إن مرضي ودوائي هو الهوى وأن طبيبي الوحيد هو قيس . فوصل قوم من الشام وسألتهم عن المجنون فقالوا أنه في حالة بؤس وقد رأوا ما به من نكبات الغرام والهيام ! وأخبرها رجل منهم انه ذاهب لبني عامر فتنهدت وطلبت منه ان يذهب إلى وادي الصخرة وأقرأه السلام وقل له : ليلى أضناها السقام .
وعندما علم قيس صرخ صرخة قويه وكان زياد يلاطفه فرحلوا إلى الوادي ووصلوا بعد أيام يقول زياد: فنصبنا خيامنا قريب من منازل ليلى وكان الليل قد دخل ويتنهد قيس ويطلق أشعاره في هذا الليل ويسأله زياد السكوت لئلا يفضحه.
وترى ليلى الخيام فتطلب من مرجانة ان تذهب لتعرف من هؤلاء علهم يعرفون قيس وتسرع الجارية ليلا وتسمع شعر قيس وصراخه وتدخل عليه وهولا يعي وتحادثه ولا يسمع حتى ذكرت له ليلى فأفاق وعرفها : فقال اعذريني فإني مشغول اللب:
وشغلت عن فهم الحديث سوى ماكان فيك وأنتم شغلي
وأديم نحو محدثي ليرى أن قد فهمت وعندكم عقلي
وكان والد ليلى وزوجها في مكة لقضاء بعض الأعمال.. فرأى قيس ليلى وكان كل ليلة يراها حتى قدم القوم فارتحل هو وزياد وكان قيس يلعلع في الصحراء بصوته بكاء وغناء ورجع لقومه فاستقبلته امه باكية وقدمت له الطعام فامتنع عنه وخرج هائما في الصباح وأبوه يرثي لحاله ويبكي لما آل إليه قيس , فخرج إلى البراري عله يعرف خبرا عنها وبعد وقت طويل سمع انها وصلت لديارها فعاد لأهله ووجد والده مريضا فدخل عليه وقد زال نشاط والده وانقطع صوته فانكب عليه قيس باكيا وضمه لصدره حتى فاضت روحه وقيل ان قيسا نحر ناقته على جانب قبر أبيه وجاء القوم معزين ومعهم والد ليلى فعز القوم ولم يعزي قيسا فجن جنونه واعتراه الهزال وعلمت ليلى ما فعله والدها احتقارا لقيس فازداد مرضها وقد أصبح دمع عينيها سيال . مكث قيس ثلاثة أيام ورحل وهو باكيا حزينا تأخذه رعشة قويه وطال غيابه وكان يسرح مع الغزلان وتغير شكله وقد توحش وانسدل شعره على جسده وأصبح في صورة مريعة وإذا بإمرأة عجوز توقد النيران فجاء قيس 
وهربت ظنا منها انه جان وجاء ابنائها وسألوه : أجني أم انسي؟ وانشد لهم شعره وآخر ما قاله:
ولو أنني أشكوا الذي قد أصابني إلى ميت في قبره لرثى ليا
وعلموا انه قيسا وخرجت العجوز لرؤية ليلى فقالت لها مرجانة: لا تتعبي نفسك فمنذ ثلاثة أيام لم يدخل عليها أحد ولا تكلم احدا! فرجعت ولم تجد قيس , فكان يرافق الغزلان وأتت الغربان على ذلك الوادي وسمع نعيقها فأنّ وبكى:
ألا يا غراب البين مالك ناعيـــا أفارقت ألفا أو دهتك الدواهيا
ألا يا غراب البين عذبت مهجتي ولازلت بالانشاد تكوي فؤاديا
أما ليلى بعد فراقها لقيس كانت لا تلذ بطعام ولا شراب وتخاطب نفسها وتعض على يديها حسرة وندامة فضاق وردا بها ولطمها وطلقها وعادت لاهلها ولما علموا أنها لفظت المال والجاه لأجل قيس أخذوا يضربونها ليلا ونهارا حتى أخذها الخبل والبكاء ومكثت ثلاثين يوما لا تأكل ولا تشرب حتى محى المرض والبكاء جسمها وانقفلت عيناها الكحيلتين وسلمت الروح إلى باريها وأقامواعليها العزاء,
وانتشر الخبر وعلم قيس بذلك ......... 

وصار النور في عينيه ظلاما وصاح : وداعا ياليلى هل من رجوع لأرى وجهك الجميل؟ ورجع إلى الديار وكان قيس كلما سمع تغريد العصافير صاح : ليلى تركتيني وحيدا في هذه الحياة البائسه ياليتني مت قبل أن أفقدك لقد مات كل أمل بعدك يا ليلى وسألحق بك عما قريب ثم ابتهل إلى الله إنني عبدك المعترف هدني الحب أسألك أن تجمع بيننا وإن كانت يد الأقدار قد انتشلت روحها وكتب ان لا أراها بعد اليوم فخذ روحي إليك كما أخذت روحها لأستريح مما انا فيه, ووصل إلى حي ليلى فلما أقبل ازداد نحيب الناس وبكائهم وقام والد ليلى وحضنه وبكى وسأل قيس عن قبرها فدلوه عليه فلما رآه انقلب عليه جاثيا واحتضنه : أيها القبرلقد ضممت رفات من أحبها وفيك دفنوا كل امل لي في الحياه إن روحي ترفرف حول رفات ليلى , وكان يضم القبر ويحضنه ويسأل: ليلى أين فمك الضحوك؟ اين رقة ابتساماتك؟ وأين دلالك؟ ابكي أيتها العينين على 
رحيل ليلى الأبدي. وظل هذا حال حتى أقبل الليل وقيل انه كان يأوي إلى القبر ليلا ونهارا وكان يرثيها بالأشعار حتى جف جلده وضعفت قوته وجاء إليه رجلا ليواسيه ففر منه ثم اندفع إلى قبرها فاصطدم به وانهارت عظام جسده من حجارة القبر ثم يغمر رأسه في الرمل متوهما رؤية ليلى وتقبل هند اخته فتحضنه وتبكي وتهون عليه حتى غشي عليه. فلما أفاق قالت له: إن ليلى ماتت فدعنا نخطب لك غيرها فارحم نفسك وارحمني! فنظر إليها وقال: وانت يا هند تعاذليني في ليلى أحب الناس إليّ وقد احترق قلبي عليها وتغيرت أحوالي وأصبحت شريدا من أجل حبها .. لقد ذهبت ليلى وذهبت معها أيام الصفاء ليلى في كل يوم أشعر بإنتهاء الحياة وانني على حافة القبر ليلى لقد تركتِ لي ذكرى تمزق قلبي وتقطعه إربا ثم بكى وبكت معه ليلى وقد ظهرت له ظبية فلحق بها وقال : السلام عليك يا هند فما أراك تريني بعد اليوم وانطلق جاريا خلف الظبية.
خرج اهله يبحثون عنه فلم يجدوه ولم يلتمسوا له اثرا وفي اليوم الرابع قالوا : فلما آيسنا منه عدنا طالبين الديار فبينما نسير إذ مررنا بواد كثير الحجارة فوجدناه ميتا بين الحجارة وكان قد خط بإصبعه عند رأسه :
توسد أحجار المهامة والقفر ومات جريح القلب مندمل الصدر
فياليت هذا الحب يعشق مرة فيعلم ما يلقى المحب من الهجر
قال زياد: فحملناه ونحن نبكي وجاء كل من سمع بوفاته وقمنا بتكفينه ودفنه ولم تبقى فتاة من بني جعدة ولا بني الحريش إلا خرجت حاسرةصارخة عليه بالندب والنواح واجتمع فتيان الحي يبكون عليه أحر بكاء وينشجون عليه وحضر حي ليلى معزين وكان أبوها أشد القوم جزعا وجعل يقول ماعلمت أن الامر يبلغ كل ذلك ولكني كنت امرىء عربيا أخاف من العار وقبح الأحدوثة ما يخاف مثلي فزوجتها ولو علمت ان الامر يجري على هذا لما أخرجتها عن يدك يا قيس .

ودفن قيس بجانب قبر ليلى نام قيس نومته الاخيرة إلى جانب حبيبته ليلى , وتحلل جسمه إلى تراب غمر تراب حبيبته , ولم يرى يوما كان أكثر باكيا وباكية على ميت سوى قيس عام 490 من الهجره ولم يكن بينه وبين ليلى إلا خمس وعشرون ليلة.
رحم الله العاشقين الذين سمعت بأخبارهم جميع الأقطار فسبحان من له البقاء!!!
وظلت قصيدة قيس المؤنسه التي كانت تؤنسه في وحشته من أجمل قصائد الغزل ولقيس شعر مبثوث في كتب الأدب , ومن هذا الشعر نرى ان مجنون بني عامر قلب هائم, وعقل شارد , وضلوع خفاقه وروح أرق من النسيم وجسم ذائب, وعين ذاهلة وفيه رقة وسذاجة مريض الغرام, لا يملك شعوره ولا يقوى على تسيير القلب على طريق السواء , ويغمى عليه ولا يفيق إلا لذكر ليلى وأخيرا قضى عليه الألم والوجد , فوجد طريحا على الرمال صريع حبه وهيامه. 

قصة الظاهر بيبرس


الأمير المملوكى ركن الدين بيبرس البندقدارى تظاهر بأنه يصافح الملك الظافر (قطوز) الذى هزم جيش التتار بعد عودته من الصيد فأمسكه بيبرس بأحدى يديه بحجه تقبيلهما لتهنأته بالصيد وطعنه بيده الأخرى بسكين فى قلبه فسقط صريعا يتخبط فى دمه على الأرض ولفظ أنفاسه الأخيره فى يوم السبت 17 ذى القعده سنة 658 هـ بعد أن ظل فى الحكم 11 شهراً و 13 يوماً

ولما بلغ الخبر الأتابك (رئيس الوزراء) قال : ” من منكم ضربه الضربه الأولى ” قال بيبرس : ” أنا هو ” – قال الأتابك : ” أنت الحاكم بدله ” , وبايع المماليك الأمير بيبرس فى الحال ولقبوه بأسم الملك القاهروتشأئم من هذا اللقب فأبدله بالملك الظاهر وعرف فى التاريخ بأسم الظاهر بيبرس , وكانت من ألقابه أيضاً “روح الدين” , “بيبرس البنقدارى” (نسبة إلى سيده الذى أشتراه وعلمه الفروسيه واسمه علاء الدين بندقدار) وكذلك أسم أبو الفتوح – والعكى .

فى الصورة الجانبية شعار علم الأمير المملوكى بيبرس وهو النمر وكذلك العملة وضع عليها شعاره ولاحظ أن أسم المملوك بيبرس على أسم السلطان المغولى ببر أو بابر -أسم قادم من أسم ببر (1(

وكان هذا الملك أول سلاطين أو ملوك من المماليك يستحق الأعتبار , وهو خامس مملوك غير شجرة الدر أختلس الملك ونال قوة عظمى.

وأرتقى بيبرس الأوربى الاصل الطويل القامة حسن الطلعة أزرق العينين عرش حكم مصر سنة 1260 م 658 هـ وأظهر كفائة للأحكام ودل على حبه لرعيته فأبطل الضرائب الباهظة التى وضعها سلفه على كاهل الناس وأخذ ثلث الشركات الأهلية التى كان حصيلة جمعها منها 6000دينار سنوياً بحجة حصر الأملاك وتقويمها , وعدل الضرائب الإعتيادية بطريقة عادله .

وقام بإستقبال أبن خليفة بغداد وأكرم وفادته عند إلتجاءه إلى مصر بعد أن قتل التتر أبيه الظاهر بأمر الله , وأعاد الحج من مصر إلى مكة بعد أن كانت قد أهملت هذه العادة من مصر مده 12 سنة ولما رفض حاكم مكة دخول المصريين للحج وزيارة النبى قام الظاهر بيبرس بجيوشه مسرعاً إلى تلك المدينة وقتل ذلك الحاكم ووضع يده على كل تلك البلاد المحمدية المقدسة وأدخلها تحت حيازة مملكة المماليك فى مصر , وعاد للقاهرة ظافراً بعد أن زار مكة والكعبة وكساها وكان طريق المصريين لحج أن يركبوا مراكب فى النيل من مصر العتيقة حتى يصلوا البحر الحمر فيعبرونه ومنه يصلون إلى مكة , أما السلطان بيبرس فسار براً بجيشه عن طريق العريش فسوريا .

الظاهر بيبرس أول ملك مسلم ينقذ أهل مصر من المجاعة

وفى سنة 1262م الموافقة سنة 660 هـ فى سنة حضور أبن الخليفة العباسى إلى مصر حل بها مجاعة ففتح بيبرس مخازنة وصار يقيت الألاف من الجياع يومياً ولم يكتف بذلك بل أسرع فى جلب الغذاء من الخارج وأنقذ بلاد مصر التى حكمها فى الحال من ذلك الخطر المحدق بهم .

وبعد زوال المجاعة أحتفل بختان أبنه بأحتفال عظيم , وتصدق على الفقراء فى سبيل الله وشكراً لهذه المناسبة هذا الختان بان قام بدفع مبالغ أجر تختين 645 طفلا من أولاد الفقراء ختنوا فى يوم ختن إبنه وكساهم بملابس جديدة , وأعد موكباً وإحتفالاً عظيماً وكان أبن الخليفة العباسى حاضراً مما زاد هذا الإحتفال مما زاده مجداً وبهاء .

إحتفالات النصر

ورجع الملك الظاهر بيبرس من سوريا إلى مصر ظافراً منتصراً فقوبل بإحتفال عظيم فى القاهرة فزينوا له المدينة طلها بأجمل زينة وفرشوها بالبساط والسجاجيد وساروا به فى موكب حافل عظيم فقط وطد أركان السلام فى جميع أنحاء القطر السورى بعد أن حارب التتار وبدد شكلهم وأصبحت جميع البلاد التى كان قد أستولى عليها التتار تحد يده فحكم كل مدن الأناضول والبلاد التى كانت قد أستولى عليها الفرنجة وبلاد الخلافة الأسلامية العباسية الأسلامية وفتح النوبة وبرقة وعمر الحرم النبوى وقبه الصخرة فى بيت المقدس (أورشليم) وصارت البلاد التى تحت حكمه وسلطانه مصر والنوبة وبرقة والشام وبر الأناضول وجزيرة العرب , ومن غزا كل هذه البلاد ليس بقليل عليه أن تقام له مثل هذه الإحتفالات العظيمة .

سقوط مملكة النوبــــة المسيحية فى يد الإسلام

هاجم داود ملك النوبة المناطق الجنوبية من مصر فهاجمة المماليك ودحروه وكان الظاهر بيبرس فى حروبه فى الشام ولما أنتهى منها جاءه أبن أخت الملك داود يريد مساعدته فى الحصول على العرش فأعطاه جيشاً مدربا قضى على داود ومملكته ولم تقم لممالك النوبة المسيحة قومة مره أخرى راجع موضوع ممالك النوبة فى هذا الموقع

الملك الظاهر بيبرس يفقد حياته نتيجة لإيمانه بالخرافات

قاد السلطان ببيرس جيشا قاصدا سوريا وحارب برقه وإحتلها , إلا ان التتر عادوا الى المناوشات على حددود سوريا فسار ببيرس بجيشه الى حمص لتأديبهم وحمايه الحدود وحدث خسوف للقمر ولما كان العامه من المسلمين فى مصر يعتقدون أن خسوف القمر ما هو إلا علامه على موت أمير كبير أو حاكم أو ملك أو سلطان فتوهم أن هذا الخسوف يدل على قرب موته وأن نهايته قد صارت أكيده وفتش حوله من هو سيتولى الحكم من بعده وليس من أبناء ملته فوجد أميرا صغيرا هو داود ناصر الدين وهو حفيد طوران شاه آخر سلطان كردى من أسره صلاح الدين الأيوبى القائد الشهير( سلاله الأيوبين ) ودخله الوساوس والأوهام بأن هذا الأمير الصغير سيقوم بمؤامره ضده ويستولى على الحكم فأراد أن يغدر به قبل أن يفعل الأمير المسكين شيئا فإذا مات الأمير تحققت نبؤه الخسوف فيهرب من الموت , مع ان هذا الأمير لم يكن فى علمه أي شئ من هذه الأوهام وليس فى نيته قتل السلطان ببيرس ( أن تاريخ الحكم العربى الإسلامى به كثير من هذه الإغتيالات المؤلمه ) فدبر السلطان ببيرس خطه الإغتيال فأمر بإستدعائه وأكرمه غايه الإكرام ولاطفه وأجلسه بجانبه وصب له كأسا فيه شراب ووضع له فيه السم وقدمه له بيديه فشربه الأمير المسكين بلا تردد ولا إرتياب وخرج السلطان من الغرفه تاركا الأمير يلفظ أنفاسه الأخيره وبعد أن تم ما أقدم عليه السلطان , دخل أحد الخدام وكان لا يعلم بما حدث ولا بسر سيده أو مؤامرته فملأ نفس الكأس من مشروب سيده ولا يزال بعض المشروب المسمم فيه , ولما عاد السلطان قدمه لسيده وكان السلطان متوعكا من الحمى , فشرب من نفس الكأس وكانت كميه السم الباقيه كافيه لقتله 0 وهكذا مات الأمير المسكين البرئ ناصر الدين وبعد ساعه مات السلطان الظاهر بيبرس بعد ساعه واحده وكأنه كان يريد أن يخدع القدر فمات نتيجه لجهله لعدم ثقته فى من حوله وتقول ا.ل بوتشر ص 260 عن الخرافات ( ما أضعف حجتها وأشد وطأتها ) وكانت وفاه السلطان الظاهر بيبرس فى 27 محرم سنه 676 هجريه وحكم لمده 17 سنه وشهرين 10 أيام وترك ثلاثه ذكور و 7 بنات وكان اكبر أولاده السعيد محمد برقه خان وهو الذى ورث كرسى الحكم والثانى سلامش والثالث المسعود خضر

أعمال الملك المملوكى الظاهر بيبرس

وبجانب أعمال الظاهر بيبرس الحربية إلا أن أعماله الإنشائية كانت كثيرة وما زالت تشهد له حتى هذا اليوم ولا شك أن الأموال التى حملها من غزواته قد أعطته قدرة على البناء والتشييد فى مصر والشام أما فى مصر فهى : -

*** ترميم وتقوية حصون دمياط ورشيد والأسكندرية والقاهرة

*** بناء الأهراء والأشوان الكبيرة لتشوين الغلال فى القاهرة

*** بناء وترميم القناطر والجسور وتقوية قناطر شبرامنت بالجيزة

*** بناء قناطر السباع الممتدة من فم الخليج إلى القلعة ووضع فى طرف تلك القناطر من جهه الخليج سبع سواقى لترفع المياة من النيل إلى القناطر التى تحملها إلى القلعة فيروى من فيها ووضع على أطراف تلك القناطر تماثيل حجرية على شكل السباع ولذلك أطلق المصريين على هذه القناطر التى بناها الملك الظاهر بيبرس أسم قناطر السباع

*** وترميم منارة رشيد

*** وأمر بحفر خليج الأسكندرية القديم وبحر أشمون طناح وطهر الترع والخلجان وتقول مسز بوتشر ص 261

” قيل أن الملك الظاهر ذاته كان يساعد الفعلة هو وكل أمرائه تشجيعاً وتنشيطاً لهم فى العمل وأعطى لهم مثالاً حسنا فى خدمة الوطن وعدم تعاظمه فى ما يؤول إليه بالتقدم , وقد حمل بنفسه مقطف تراب بيديه على مرأى من كل الواقفين مثل الأجير الحقير حباً فى منفعه الوطن والبلاد .

*** ورمم جوامع كثيره وأعاد بناء جوامع اخرى , وبنى جامعا جديداً متسع وفخم جداً فى شمال القاهرة فى الميدان الكبير الذى فى طريق العباسية وأسمه ألان ميدان الظاهر يطلق عليها اسم الضاهر , ولما احتل الفرنسيين مصر حولوه إلى قلعة وبعد مغادرة الفرنسيين مصر أستعملته الحكومة مركزاً عسكرياً ثم استعمل مخزن لتخزين المأكولات والملبوسات المختصة للجيش الأنجليزى الذى كان فى مصر , وما زالت هناك أربعة حوائط من البناء الأصلى الذى بناه الظاهر بيبرس ويوجد كثير من النقوش الجميلة لم تزل ظاهرة حتى الآن فى شبابيكه وفقد هذا الجامغ صبغته الدينية ولكن عمر الان وبدأ يصلى فيه من جديد .

*** وجدد الملك الظاهر بيبرس الجامع الأزهر وأعاد الخطبة فيه , وبنى بلدة السعيدية بمديريه الشرقية .

وكان الظاهر بيبرس محباً لركوب الخيل ومغرما بالرياضة البدنية والتمرينات العسكرية ويقضى فيها معظم يومه وبنى لذلك ميدانا مخصوصاً بين المنزل القلعة وقبه النصر وكانت نفقاته مما يغنمه فى حروبه بدون أن يثقل على ألهالى بدرهم .

الشيخ الصوفى خضر العدوى سنة 672 هجرية:
أعتقد الظاهر بيبرس فى أن الشيخ الصوفى خضر العدوى شخص مبروك .. ولكنه كان مشهوراً بانحلاله الخلقى وشذوذه الجنسى وتعصبه ضد النصارى فى الشام ومصر، ولما ترك له الظاهر بيبرس له المجال واطلق لتعصبة العنان فهدم كثيراً من الكنائس فى الشام ومصر ،

ومن الكنائس التى هدمها بمصر كنيسة الروم بالإسكندرية التى يشاع أن فيها رأس النبى يحيى عليه السلام (يوحنا)، وقد تحولت على يد الشيخ خضر العدوى إلى مسجد وسماه (المدرسة الخضراء) وأنفق فى تعمير هذه المدرسة الأموال الكثيرة من بيت المال. (2)

ملك مصر بعد موت الظاهر بيبرس

ولما مات الملك الظاهر بيبرس فى الشام خاف الأمراء من طمع الأعداء فحملوه سراً إلى دمشق وأشاعوا أنه مريض وبعدئذ نقلوه للقاهرة فى هودج ورحل معه جيشه لمصر ودفنوه فى القلعة , وبايع المماليك أكبر أولاده ناصر الدين برقه خان , ولكن لطمع المماليك فى الحكم لم يدم أخلاصهم لحكم أولاد الظاهر بيبرس , إذ فى بحر ثلاث سنوات قتل ولداه اللذين لم ينالا لقب ملك او سلطان إلا بالأسم فقط وملك أحد أمراء المماليك وأسمه سيف الدين قلاوون الألفى

حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان


من أهم الحروب المروعة المؤلمة التى قامت بسبب السباق هى حرب(داحس والغبراء) وهى أشهر من نار على علم فى تاريخ العرب ، وقد احتدمت نارها أربعين عاماً بين قبيلتى عبس وذبيان أبنى بغيض بن ريث بن غطفان

وكان سبب ذلك أن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي سار إلى المدينة ليتجهز لقتال عامر والأخذ بثأر أبيه، فأتى أحيحة بن الجلاح يشتري منه درعاً موصوفةً

فقال له: لا أبيعها ولولا أن تذمني بنو عامر لوهبتها منك ولكن اشترها بابن لبون ففعل ذلك وأخذ الدرع، وتسمى ذات الحواشي، ووهبه أحيحة أيضاً أدراعاً، وعاد إلى قومه وقد فرغ من جهازه فاجتاز بالربيع بن زياد العبسي فدعاه إلى مساعدته على الأخذ بثأره فأجابه إلى ذلك

فلما أراد فراقه نظر الربيع إلى عيبته فقال: ما في حقيبتك ؟ قال: متاع عجيب لو أبصرته لراعك، وأناخ راحلته، فأخرج الدرع من الحقيبة، فأبصرها الربيع فأعجبته ولبسها، فكانت في طوله فمنعها من قيس ولم يعطه إياها، وترددت الرسل بينهما في ذلك، ولج قيس في طلبها، ولج الربيع في منعها فلما طالت الأيام على ذلك سير قيس أهله إلى مكة وأقام ينتظر غرة الربيع

ثم إن الربيع سير إبله وأمواله إلى مرعى كثير الكلإ وأمر أهله فظعنوا، وركب فرسه وسار إلى المنزل، فبلغ الخبر قيساً فسار في أهله وإخوته فعارض ظعائن الربيع وأخذ زمام أمه فاطمة بنت الخرشب وزمام زوجته

فقالت فاطمة أم الربيع: ما تريد يا قيس ؟ قال: أذهب بكن إلى مكة فأبيعكن بها بسبب درعي قالت: وهيفي ضماني وخل عنا، ففعل فلما جاءت إلى ابنها قالت له في معنى الدرع، فحلف أنهن لا يرد الدرع، فأرسلت إلى قيس أعلمته بما قال الربيع، فأغار على نعم الربيع فاستاق منها أربعمائة بعير وسار بها إلى مكة فباعها واشترى بها خيلاً، وتبعه الربيع فلم يلحقه، فكان فيما اشترى من الخيل داحس والغبراء

وقيل: إن داحساً كان من خيل بني يربوع، وإن أباه كان أخذ فرساً لرجل من بني ضبة يقال له انيف بن جبلة، وكان الفرس يسمى السبط، وكانت أم داحش لليربوعي، فطلب اليربوعي من الضبي أن ينزي فرسه على حجره فلم يفعل فلما كان الليل عمد اليربوعي إلى فرس الضبي فأخذه فأنزاه على فرسه، فاستيقظ الضبي فلم ير فرسه فنادى في قومه، فأجابوه، وقد تعلق باليربوعي، فأخبرهم الخبر، فغضب ضبة من ذلك،
فقال لهم: لا تعجلوا، دونكم نطفة فرسكم فخذوها فقال القوم: قد أنصف فسطا عليها رجل من القوم فدس يده في رحمها فأخذ ما فيها، فلم تزد الفرس إلا لقاحاً فنتجت مهراً فسمي داحساً بهذا السبب

فكان عند اليربوعي ابنان له، أغار قيس بن زهير على بني يربوع فنهب وسبى، ورأى الغلامين أحدهما على داحس والآخر على الغبراء فطلبهما فلم يلحقهما، فرجع وفي السبي أم الغلامين وأختان لهما وقد وقع داحس والغبراء في قلبه، وكان ذلك قبل أن يقع بيته وبين الربيع ما وقع ثم جاء وفد بني يربوع في فداء الأسرى والسبي، فأطلق الجميع إلا أم الغلامين وأختيهما وقال: إن أتاني الغلامان بالمهر والفرس الغبراء وإلا فلا
فامتنع الغلامان من ذلك، فقال شيخ من بني يربوع كان أسيراً عند قيس، وبعث بها إلى الغلامين، وهي:
إنّ مهراً فدى الرباب وجمـلاً وسعاداً لخير مـهـر أنـاس
ادفعوا داحساً بهـنّ سـراعـاً إنّها من فعالـهـا الأكـياس
دونها والذي يحجّ لـه الـنـا س سبايا يبعـن بـالأفـراس
إنّ قيساً يرى الجواد من الخي ل حياةً في متلف الأنـفـاس
يشتري الطّرف بالجراجرة الج لّة يعطي عفواً بغير مكـاس
فلما انتهت الأبيات إلى بني يربوع قادوا الفرسين إلى قيس وأخذوا النساء

وقيل: إن قيساً أنزى داحساً على فرس له فجاءت بمهرة فسماها الغبراء ثم إن قيساً أقام بمكة فكان أهلها يفاخرونه، وكان فخوراً،

فقال لهم: نحوا كعبتكم عنا وحرمكم وهاتوا ما شئتم

فقال ل عبد الله بن جدعان: إذا لم نفاخرك بالبيت المعمور وبالحرم الآمن فيم نفاخرك ؟ فمل قيس مفاخرتهم وعزم على الرحلة عنهم، وسر ذلك قريشاً لأنهم قد كانوا كرهوا مفاخرته، فقال لإخوته: ارحلوا بنا من عندهم أولاً وإلا تفاقم الشر بيننا وبينهم، والحقوا ببني بدر فإنهم أكفاؤنا في الحسب، وبنو عمنا في النسب، وأشراف قومنا في الكرم، ومن لا يستطيع الربيع أن يتناولنا معهم فلحق قيس وإخوته ببني بدر، وقال في مسيره إليهم: أسير إلى بني بدرٍ بأمرٍ هم فيه علينا بالخـيار
فإن قبلوا الجوار فخـير قـومٍ وإن كرهوا الجوار فغير عار
أتينا الحارث الخير بن كعـب بنجران وأي لـجـا بـجـار
فجاورنـا الـذين إذا أتـاهـم غريبٌ حلّ في سعة القـرار
فيأمن فيهم ويكون مـنـهـم بمنزلة الشّعار من الـدّثـار
وإن نفرد بحرب بني أبـينـا بلا جار فإنّ الـلـه جـاري
ثم نزل ببني بدر فنزل بحذيفة، فأجاره هو وأخوه حمل بن بدر، وأقام فيهم، وكان معه أفراس له ولإخوته لم يكن في العرب مثلها، وكان حذيفة يغدو ويروح إلى قيس فينظر إلى خيله فيحسده عليها ويكتم ذلك في نفسه، وأقام قيس فيهم زماناً يكرمونه وإخوته، فغضب الربيع ونقم ذلك عليهم وبعث إليهم بهذه الأبيات:
ألا أبلغ بنـي بـدرٍ رسـولاً على ما كان من شنإ ووتـر
بأنّي لم أزل لكـم صـديقـاً أدافع عن فزارة كلّ أمـر
أسالم سلمكم وأردّ عـنـكـم فوارس أهل نجران وحجر
وكان أبي ابن عمّـكـم زياد صفيّ أبيكم بدر بن عمـرو
فألجأتم أخا الغدرات قـيسـاً فقد أفعمتم إيغـار صـدري
فحسبي من حذيفة ضمّ قيس وكان البدء من حمل بن بدر
فإمّا ترجعوا أرجع إلـيكـم وإن تأبوا فقد أوسعت عذري
فلم يتغيروا عن جوار قيس فغضب الربيع وغضبت عبس لغضبه، ثم إن حذيفة كره قيساً وأراد إخراجه عنهم فلم يجد حجةً، وعزم قيس على العمرة فقال لأصحابه: إني قد عزمت على العمرة فإياكم أن تلابسوا حذيفة بشيء، واحتملوا كل ما يكون منه حتى أرجع فإني قد عرفت الشر في وجهه وليس يقدر على حاجته منكم إلا أن تراهنون على الخيل وكان ذا رأي لا يخطئ في ما يريده، وسار إلى مكة ثم إن فتىً من عبس يقال له ورد ابن مالك أتى حذيفة فجلس إليه، فقال له ورد: لو اتخذت من خيل قيس فحلاً يكون أصلاً لخيلك فقال حذيفة: خيلي خير من خيل قيس، ولجا في ذلك إلى أن تراهنا على فرسين من خيل قيس وفرسين من خيل حذيفة، والرهن عشرة أذواد
وسار ورد فقدم على قيس بمكة فأعلمه الحال، فقال له: أراك قد أوقعتني في بني بدر ووقعت معي وحذيفة ظلوم لا تطيب نفسه بحق ونحن لا نقر له بضيمٍ ورجع قيس من العمرة، فجمع قومه وركب إلى حذيفة وسأله أن يفكر الرهن، فلم يفعل فسأله جماعة فزارة وعبس فلم يجب إلى ذلك، وقال: إن أقرقيس أن السبق لي وإلا فلا، فقال أبو جعدة الفزاري:
آل بدرٍ دعوا الرّهـان فـإنّـا قد مللنا اللجاج عند الرهـان
ودعوا المرء في فزارة جاراً إنّ ما غاب عنكم كالـعـيان
ليت شعري عن هاشم وحصين وابن عوف وحارث وسنـان
حين يأتيهم لجـاجـك قـيسـاً رأي صاحٍ أتيت أم نـشـوان
وسأل حذيفة إخوته وسادات أصحابه في ترك الرهان ولج فيه، وقال قيس: علام تراهنني ؟ قال: على فرسيك داحس والغبراء وفرسي الخطار والحنفاء، وقيل: كان الرهن على فرسي داحس والغبراء قال قيس: داحس أسرع وقال حذيفة: الغبراء أسرع، وقال لقيس: أريد أن أعلمك أن بصري بالخيل أثقب من بصرك؛ والأول أصح فقال له قيس: نفس في الغاية وارفع في السبق فقال حذيفة: الغاية من أبلى إلى ذات الإصاد، وهو قدر مائة وعشرين غلوةً، والسبق مائة بعير، وضمروا الخيل فلما فرغوا قادوا الخيل إلى الغاية وحشدوا ولبسوا السلاح وتركوا السبق على يد عقال ابن مروان بن الحكم القيسي وأعدوا الأمناء على إرسال الخيل

وأقام حذيفة رجلاً من بني أسد في الطريق وأمره أن يلقى داحساً في وادي ذات الإصاد إن مر به سابقاً فيرمي به إلى أسفل الوادي

فلما أرسلت الخيل سبقها داحس سبقاً بيناً والناس ينظرون إليه وقيس وحذيفة على رأس الغاية في جميع قومهما فلما هبط داحس في الوادي عارضه الأسدي فلطم وجهه فألقاه في الماء، فكاد يغرق هو وراكبه ولم يخرج إلا وقد فاتته الخيل وأما راكب الغبراء فإنه خالف طريق داحس لما رآه قد أبطأ وعاد إلى الطريق واجتمع مع فرسي حذيفة، ثم سقطت الحنفاء وبقي الغبراء والخطار، فكانا إذا أحزنا سبق الخطار وإذا أسهلا سبقت الغبراء فلما قربا من الناس وهما في وعث من الأرض تقدم الخطار، فقال حذيفة: سبقك يا قيس فقال: رويدك يعلون الجدد؛ فذهبت مثلاً فلما استوت بهما الأرض قال حذيفة: خدع والله صاحبنا
فقال قيس: ترك الخداع من أجرى من مائة وعشرين؛ فذهبت مثلاً

ثم إن الغبراء جاءت سابقة وتبعها الخطار فرس حذيفة، ثم الحنفاء له أيضاً، ثم جاء داحس بعد ذلك والغلام يسير به على رسله، فأخبر الغلام فيساً بما صنع بفرسه، فأنكر حذيفة ذلك وادعى السبق ظالماً، وقال: جاء فرساي متتابعين، ومضى قيس وأصحابه حتى نظروا إلى القوم الذين حبسوا داحساً واختلفوا

وبلغ الربيع بن زياد خبرهم فسره ذلك وقال لأصحابه: هلك والله قيس، وكأني به إن لم يقتله حذيفة وقد أتاكم يطلب منكم الجوار، أما والله لئن فعل ما لنا من ضمه من بد
ثم إن الأسدي ندم على حبس داحس فجاء إلى قيس واعترف بما صنع، فسبه حذيفة

ثم إن بني بدر قصروا بقيس وإخوته وآذوهم بالكلام، فعاتبهم قيس، فلم يزدادوا إلا بغياً عليه وإيذاءً له

ثم إن قيساً وحذيفة تناكرا في السبق حتى هما بالمؤاخذة، فمنعهما الناس، وظهر لهم بغي حذيفة وظلمه، ولج في طلب السبق، فأرسل ابنه ندبة إلى قيس يطالبه به، فلما أبلغه الرسالة طعنه فقتله وعادت فرسه إلى أبيه ونادى قيس: يا بني عبس الرحيل ?! فرحلوا كلهم، ولما أتت الفرس حذيفة علم أن ولده قتل، فصاح في الناس وركب في من معه وأتى منازل بني عبس فرآها خاليةً ورأى ابنه قتيلاً، فنزل إليه وقبل بين عينيه ودفنوه

وكان مالك بن زهير أخو قيس متزوجاً في فزارة وهو نازلٌ فيهم، فأرسل إليه قيس: أني قد قتلت ندبة بن حذيفة ورحلت فالحق بنا وإلا قتلت فقال: إنما ذنب قيس عيه، ولم يرحل، فأرسل قيس إلى الربيع ابن زياد يطلب منه العود إليه والمقام معه إذ هم عشيرة وأهل، فلم يجبه ولم يمنعه، وكان مفكراً في ذلك

ثم إن بني بدر قتلوا مالك بن زهير أخا قيس، وكان نازلاً فيهم، فبلغ مقتله بني عبس والربيع بن زياد، فاشتد ذلك عليهم، وأرسل الربيع إلى قيس عيناً يأتيه بخبره، فسمعه يقول أينجو بنو بدرٍ بمقتل مـالـك ويخذلنا في النائبات ربـيع
وكان زيادق قبله يتّقـى بـه من الدهر إن يومٌ ألمّ فظيع
فقل لربيعً يحتذي فعل شيخه وما النّاس إلاّ حافظٌ ومضيع
وإلاّ فما لي في البلاد إقامةٌ وأمر بني بدرٍ عليّ جمـيع
فرجع الرجل إلى الربيع فأخبره، فبكى الربيع على مالك وقال
منع الرّقاد فما أغمّض سـاعةً جزعاً من الخبر العظيم الساري
أفبعد مقتل مالـك بـن زهـير يرجو النساء عواقب الأطهـار
من كان مسروراً بمقتل مالـكٍ فليأت نسوتنا بـوجـه نـهـار
يجد النساء حواسـراً ينـدبـنـه ويقمن قبل تبلّـج الأسـحـار
يضربن حرّ وجوههنّ على فتىً ضخم الدسيعة غير ما خـوّار
قد كنّ يكننّ الوجوه تـسـتّـراً فاليوم حين برزن للـنـظّـار
وهي طويلة

فسمعها قيس فركب هو وأهله وقصدوا الربيع بن زياد وهو يصلح سلاحه، فنزل إليه قيس وقام الربيع فاتنقا وبكيا وأظهرا الجزع لمصاب مالك، ولقي القوم بعضهم بعضاً فنزلوا فقال قيس للربيع: إنه لم يهرب منك من لجأ إليه، ولم يستغن عنك من استعان بك، وقد كان لك شر يومي فليكن لي خير يوميك، وإنما أنا بقومي وقومي بك وقد أصاب القوم مالكاً، ولست أهم بسوء لأني إن حاربت بني بدر نصرتهم بنو ذبيان، وإن حاربتني خذلني بنو عبس إلا أن تجمعهم علي، وأنا والقوم في الدماء سواءٌ، قتلت ابنهم وقتلوا أخي، فإن نصرتني طمعت فيهم، وإن خذلتني طمعوا في فقال الربيع: يا قيس إنه لا ينفعني أن أرى لك من الفضل ما لا أراه لي، ولا ينفعك أن ترى لي ما لا أراه لك، وقد مال علي قتل مالك وأنت ظالم ومظلوم، ظلموك في جوادك وظلمتهم في دمائهم، وقتلوا أخاك بابنهم، فإن يبؤ الدم بالدم فعسى أن تلقح الحرب أقم معك، وأحب الأمرين إلي مسالمتهم ونخلو بحرب هوازن وبعث قيس إلى أهله وأصحابه، فجاؤوا ونزلوا مع الربيع، وأنشدهم عنترة بن شداد مرثيته في مالك:
فلله عينا من رأى مثل مالـكٍ عقيرة قومٍ أن جرى فرسـان
فليتهما لم يطعما الدهر بعدهـا وليتهما لم يجمعـا لـرهـان
وليتهما ماتا جميعـاً بـبـلـدةٍ وأخطاهما قـيسٌ فـلا يريان
لقد جلبا جلباً لمصرع مـالـكٍ وكان كريماً ماجداً لهـجـان
وكان إذا ما كـان يوم كـريهةٍ فقد علموا أنّي وهو فـتـيان
وكنّا لدى الهيجاء نحمي نساءنا ونضرب عند الكرب كلّ بنان
فسوف ترى إن كنت بعدك باقياً وأمكنني دهري وطول زماني
فأقسم حقّاً لو بقيت لـنـظـرة لقرّت بها عيناك حين ترانـي
وبلغ حذيفة أن الربيع وقيساً اتفقا، فشق ذلك عليه واستعد للبلاء وقيل: إن بلاد عبس كانت قد أجدبت فانتجع أهلها بلاد فزارة، وأخذ الربيع جواراً من حذيفة وأقام عندهم فلما بلغه مقتل مالك قال لحذيفة: لي ذمتي ثلاثة أيام فقال حذيفة: ذلك لك فانتقل الربيع من بني فزارة فبلغ ذلك حمل بن بدر فقال لحذيفة أخيه: بئس الرأي رأيت ! قتلت مالكاً وخلّيت سبيل الربيع ! والله ليضرمنها عليك ناراً ! فركبا في طلب الربيع، ففاتهما، فعلما أنه قد أضمر الشر

واتفق الربيع وقيس، وجمع حذيفة قومه وتعاقدوا على عبس، وجمع الربيع وقيس قومهما واستعدوا للحرب، فأغارت فزارة على بني عبس فأصابوا نعماً ورجالاً، فحميت عبس واجتمعت للغارة، فنذرت بهم فزارة فخرجوا إليهم فالتقوا على ماء يقال له العذق، وهي أول وقعة كانت بينهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وقتل عوف بن يزيد، قتله جندب بن خلف العبسي وانهزمت فزارة وقتلوا قتلاً ذريعاً، وأسر الربيع بن زياد حذيفة ابن بدر، وكان حر بن الحارث العبسي قد نذر إن قدر على حذيفة أن يضربه بالسيف، وله سيف قاطع يسمى الأصرم، فأراد ضربه بالسيف لما أسر وفاء بنذره، فأرسل الربيع إلى امرأته فغيبت سيفه ونهوه عن قتله وحذروه عاقبة ذلك، فأبى إلا ضربه، فوضعوا عليه الرجال، فضربه، فلم يصنع السيف شيئاً وبقي حذيفة أسيراً

ففعلوا ذلك وجاء حذيفة ومن معه فاشتغلوا بالنهب، فنهاهم حذيفة وغيرهم فلم يقبلوا منه، وكانوا على الحال التي وصف قيس وعادت بنو عبس وقد تفرقت أسد وغيرهم، وبقي بنو فزارة في آخر الناس، فحملوا عليهم من جوانبهم فقتل مالك بن سبيع التغلبي سيد غطفان، وانهزمت فزارة وحذيفة معهم وانفرد في خمسة فوارس وجد في الهرب وبلغ خبره بني عبس، فتبعه قيس بن زهير والربيع بن زياد وقرواش بن عمرو بن الأسلع وريان بن الأسلع الذي قتل حذيفة ابنيه، وتبعوا أثرهم في الليل، وقال قيس: كأني بالقوم وقد وردوا جفر الهباءة ونزلوا فيه، فساروا ليلتهم كلها حتى أدركوهم مع طلوع الشمس في جفر الهباءة في الماء، وقد أرسلوا خيولهم فأخذوا بجمعها، فمحال قيس وأصحابه بينهم وبينها، وكان مع حذيفة في الجفر أخوه حمل بن بدر وابنه حصن بن حذيفة وغيرهم فهجم عليهم قيس والربيع ومن معهما وهم ينادون: لبيكم لبيكم ! يعني أنهم يجيبون نداء الصبيان لما قتلوا ينادون: يا أبتاه !

فقال لهم قيس: يا بني بكر كيف رأيتم عاقبة البغي ؟ فناشدوهم الله الرحم، فلم يقبلوا منهم

ودار قرواش ابن عمرو حتى وقف خلف ظهر حذيفة فضربه فدق صلبه، وكان قرواش قد رباه حذيفة حتى كبر عنده في بيته، وقتلوا حملاً أخاه وقطعوا رأسيهما واستبقوا حصن بن حذيفة لصباه

وكان عدد من ؟ قتل في هذه الوقعة من فزارة وأسد وغطفان ما يزيد على أربعمائة قتيل، وقتل من عبس ما يزيد على عشرين قتيلاً، وكانت فزارة تسمي هذه الوقعة البوار؛ وقال قيس ابن زهير:
أقام على الهباءة خير ميتٍ وأكرمـه حـذيفة لا يريم
لقد فجعت به قيسٌ جميعـاً موالي القوم والقوم الصميم
وعمّ به لمقتـلـه بـعـيدٌ وخصّ به لمقتله حـمـيم
وهي طويلة؛
وقال أيضاً:
ألم تر أنّ خير الناس أمسى على جفر الهباءة لا يريم
فلولا ظلمه ما زلت أبكـي عليه الدهر ما طلع النجوم
ولكنّ الفتى حمل بن بـدر بغى والبغي مرتعه وخيم
وأكثروا القول في يوم الهباءة
ثم إن عبساً ندمت على ما فعلت يوم الهباءة، ولام بعضهم بعضاً، فاجتمعت فزارة إلى سنان بن أبي حارثة المري وشكوا إليه ما نزل بهم، فأعظمه وذم عبساً وعزم على أن يجمع العرب ويأخذ بثأر بني بدر وفزارة، وبث رسهل فاجتمع من العرب خلقٌ كثير لا يحصون، ونهى أصحابه عن التعرض إلى الموال والغنيمة وأمرهم بالصبر، وساروا إلى بني عبس فلما بلغهم مسيرهم إليهم قال قيس: الرأي أننا لا نلقاهم، فإننا قد وترناهم فهم يطالبوننا بالذخول والطوائل، وقد رأوا ما نالهم بالأمس باشتغالهم بالنهب والمال فهم لا يتعرضون إليه الآن، والذي ينبغي أن نفعله أننا نرسل الظعائن والأموال إلى بني عامر، فإن الدم لنا قبلهم فهم لا يتعرضون لكم ويبقى أولو القوة والجلد على ظهور الخيل ونماطلهم القتال، فإن أبوا إلا القتال كنا قد أحرزنا أهلينا وأموالنا وقاتلناهم وصبرنا لهم، فإن ظفرنا فهو الذي نريد، وإن كانت الأخرى كنا قد احترزنا ولحقنا بأموالنا ونحن على حامية
ففعلوا ذلك

يوم ذات الجراجر وسارت ذبيان ومن معها فلحقوا بني عبس على ذات الجراجر فاقتتلوا قتالاً شديداً يومهم ذلك وافترقوا فلما كان الغد عادوا إلى اللقاء فاقتتلوا أشد من اليوم الأول، وظهرت في هذه الأيام شجاعة عنترة ابن شداد فلما رأى الناس شدة القتال وكثرة القتلى لاموا سنان بن أبي حارثة على منعه حذيفة عن الصلح وتطيروا منه وأشاروا عليه بحقن الدماء ومراجعة السلم، فلم يفعل وأراد مراجعة الحرب في اليوم الثالث فلما رأى فتور أصحابه وركونهم إلى السلم رحل عائداً فلما عاد عنهم رحل قيس وبنو عبس إلى بني شيبان بن بكر وجاوروهم وبقوا معهم مدةً، فرأى قيس من غلمان شيبان ما يكرهه من التعرض لأخذ أموالهم فرحلوا عنهم، فتبعهم جمع من شيبان، فلقيتهم بنو عبس واقتتلوا، فانهزمت شيبان وسارت عبس إلى هجر ليحالفوا ملكهم، وهو معاوية بن الحارث الكندي، فعزم معاوية على الغارة عليهم ليلاً، فبلغهم الخبر فساروا عنه مجدين، وسار معاوية مجداً في اثرهم، فتاه بهم الدليل على عمد لئلا يدركوا عبساً إلا وهم قد لحقهم ودوابهم النصب، فأدركوهم بالفروق فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم معاوية وأهل هجر وتبعتهم عبس فأخذت من أموالهم وقتلوا منهم ما أرادوا ورجعوا سائرين فنزلوا بماء يقال له عراعر عليه حي من كلب، فركبوا ليقاتلوا بني عبس، فبرز الربيع وطلب رئيسهم، فبرز إليه، واسمه مسعود بن مصاد الكلبي فاقتتلا حتى سقطا إلى الأرض، وأراد مسعود قتل الربيع، فانحسرت البيضة عن رقبته، فرماه رجل من بني عبس بسهم فقتله، فثار به الربيع فقطع رأسه، وحملت عبس على كلب والرأس على رمح فانهزمت كلب وغنمت عبس أموالهم وذراريهم، فساروا إلى اليمامة فحالفوا أهلها من بني حنيفة وأقاموا ثلاث سنين، فلم يحسنوا جوارهم وضيقوا عليهم فساروا عنهم، وقد تفرق كثير منهم وقتل منهم وهلكت دوابهم ووترهم العرب فراسلتهم بنو ضبة وعرضوا عليهم المقام عندهم ليستعينوا بهم على حرب تميم، ففعلوا وجاوروهم

فلما انقضى الأمر بين ضبة وتميم تغيرت ضبة لعبسٍ وأرادوا اقتطاعهم، فحاربتهم عبس فظفرت وغنمت من أموال ضبة وسارت إلى بني عامر وحالفوا الأحوص بن جعفر بن كلاب، فسر بهم ليقوى بهم على حرب بني تميم لأنه كان بلغه أن لقيط بن زرارة يريد غزو بني عامر والأخذ بثأر أخيه معبد، فأقامت عبس عند بني عامر، فقصدتهم تميم، وكانت وقعة شعب جبلة، وسنذكره إن شاء الله

ثم إن ذبيان غزوا بني عامر بن صعصعة وفيهم بنو عبس فاقتتلوا، فهزمت عامر وأسر قرواش بن هني العبسي ولم يعرف فلما قدموا به الحي عرفته امرأةٌ عنهم، فلما عرفوه سلموه إلى حصن بن حذيفة فقتله

ثم رحلت عبس عن عامر ونزلت بتيم الرباب، فبغت تيم عليهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً وتكاثرت عليهم تيم فقتلوا من عبس مقتلة عظيمة ورحلت عبس وقد ملوا الحرب وقلت الرجال والأموال وهلكت المواشي، فقال لهم قيس: ما ترون ؟ قالوا: نرجع إلى أخواننا من ذبيان فالموت معهم خير من البقاء مع غيرهم

فساروا حتى قدموا على الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، وقيل: على هرم بن سنان بن أبي حارثة ليلاً، وكان عند حصن ابن حذيفة بن بدر فلما عاد ورآهم رحب بهم وقال: من القوم ؟ قالوا: إخوانك بنو عبس، وذكروا حاجتهم فقال: نعم وكرامة أعلم حصن ابن حذيفة فعاد إليه وقال: طرقت في حاجة، قال: أعطيتها، قال بنو عبس: وجدت وفودهم في منزلي قال حصن: صالحوا قومكم، أما أنا فلا أدي ولا أتدي، قد قتل آبائي وعمومتي عشرين من عبس؛ فعاد إلى عبس وأخبرهم بقول حصن وأخذهم إليه، فلما رآهم قال قيس والربيع ابن زياد: نحن ركبان الموت قال: بل ركبان السلم، إن تكونوا اختللتم إلى قومكم فقد اختل قومكم إليكم ثم خرج معهم حتى أتوا سناناً فقال له: قم بأمر عشيرتك وأصلح بينهم فإني سأعينك ففعل ذلك وتم الصلح بينهم وعادت عبس

وقيل: إن قيس بن زهير لم يسر مع عبس إلى ذبيان وقال: لا تراني غطفانيةٌ أبداً وقد قتلت أخاها أو زوجها أو ولدها أو ابن عمها، ولكني سأتوب إلى ربي، فتنصر وساح في الأرض حتى انتهى إلى عمان فترهب بها زماناً، فلقيه حوج بن مالك العبدي فعرفه فقتله وقال: لا رحمني الله إن رحمتك

وقيل: إن قيساً تزوج في النمير بن قاسط لما عادت عبس إلى ذبيان، وولد له ولد اسمه فضالة، فقدم على النبي، صلى الله عليه وسلم، وعقد له على من معه من قومه، وكانوا تسعة وهو عاشرهم
انقضى حرب داحس والغبراء، والحمد لله

قصة عنتر وعبلة


هي قصة تستمد شهرتها من ناحيتين : من شهرة صاحبها الفارس الشاعر البطل، ثم من القصة الشعبية التي دارت حولها.
وعلى الرغم من شهرة هذه القصة، وعلى الرغم من ضخامة القصة الشعبية التي دارت حولها وكثرة التفاصيل والحواشي بها، فإن المصادر القديمة لا تمدنا بكثير من تفاصيلها، ولكنها في إطارها العام قصة ثابتة لا شك فيها بدلالة شعر عنترة الذي يفيض بأحاديث حبه وحرمانه.
نشأ عنترة العبسي من أب عربي هو عمرو بن شداد، وكان سيدا من سادات قبيلته، وأم أجنبية هي زبيبة الأمة السوداء الحبشية، وكان أبوه قد سباها في بعض غزواته.
وسرى السواد إلى عنترة من أمه، ورفض أبوه الاعتراف به، فاتخذ مكانه بين طبقة العبيد في القبيلة، خضوعا لتقاليد المجتمع الجاهلي التي تقضي بإقصاء أولاد الإماء عن سلسلة النسب الذهبية التي كان العرب يحرصون على أن يظل لها نقاؤها، وعلى أن يكون جميع أفرادها ممن يجمعون الشرف من كلا طرفيه : الآباء والأمهات، إلا إذا أبدى أحد هؤلاء الهجناء امتيازا أو نجابة فإن المجتمع الجاهلي لم يكن يرى في هذه الحالة ما يمنع من إلحاقه بأبيه.
وحانت الفرصة لعنترة في إحدى الغارات على عبس، فأبدى شجاعة فائقة في رد المغيرين، وانتزع بهذا اعتراف أبيه به، واتخذ مكانه فارساً من فرسان عبس الذين يشار إليهم بالبنان.
ووقف طفل الحب الخالد يلقى سهامه النافذة ليجمع بين قلب عنترة وقلب ابنة عمه عبلة بنت مالك.
وتقدم عنترة إلى عمه يخطب إليه ابنته، ولكن اللون والنسب وقفا مرة أخرى في طريقه، فقد رفض مالك أن يزوج ابنته من رجل يجري في عروقه دم غير عربي، وأبت كبرياؤه أن يرضى بعبد أسود مهما تكن شجاعته وفروسيته زوجاً لابنته العربية الحرة النقية الدم الخالصة النسب.
ويقال إنه طلب منه تعجيزاً له وسدا للسبل في وجهه ألف ناقة من نوق الملك النعمان المعروفة بالعصافير مهراً لابنته، ويقال إن عنترة خرج في طلب عصافير النعمان حتى يظفر بعبلة، وأنه لقي في سبيلها أهوالا جساما، ووقع في الأسر، وأبدى في سبيل الخلاص منه بطولات خارقة، ثم تحقق له في النهاية حلمه، وعاد إلى قبيلته ومعه مهر عبلة ألفاً من عصافير الملك النعمان.
ولكن عمه عاد يماطله ويكلفه من أمره شططا، ثم فكر في أن يتخلص منه، فعرض ابنته على فرسان القبائل على أن يكون المهر رأس عنترة.
ثم تكون النهاية التي أغفلتها المصادر القديمة وتركت الباحثين عنها يختلفون حولها، فمنهم من يرى أن عنترة فاز بعبلة وتزوجها، ومنهم من يرى أنه لم يتزوجها، وإنما ظفر بها فارس آخر من فرسان العرب.
وفي أغلب الظن أن عنترة لم يتزوج عبلة، ولكنه قضى حياته راهبا متبتلا في محراب حبها، يغني لها ويتغنى بها، ويمزج بين بطولته وحبه مزاجا رائعاً جميلاً.
وهو يصرح في بعض شعره بأنها تزوجت، وأن زوجها فارس عربي ضخم أبيض اللون، يقول لها في إحدى قصائده الموثوق بها التي يرويها الأصمعي :
إما تريني قد نحلت ومن يكن ** غرضاً لأطراف الأٍنة ينحل
فلرب أبلج مثل بعلك بادن ** ضخم على ظهر الجواد مهبل
غادرته متعفرا أوصاله ** والقوم بين مجرح ومجدل
لقد تزوجت عبلة من غير عنترة بعد ذلك الكفاح الطويل الذي قام به من أجلها، وأبى القدر أن يحقق للعاشقين حلمهما الذي طالما عاشا فيه.
وعاش عنترة بعد ذلك عمراً طويلا يتذكر حبه القديم، ويحن إلى أيامه الخالية، ويشكو حرمانه الذي فرضته عليه أوضاع الحياة وتقاليد المجتمع، وقد طوى قلبه على أحزانه ويأسه، وألقى الرماد على الجمرة المتقدة بين جوانحه، وهو رماد كانت ذكريات الماضي تلح عليه من حين إلى حين، فتكشف عن الجمرة التي لم تنطفئ جذوتها من تحته، حتى ودع الحياة.

وأسدل الموت الستار على قصة حبه

حرب البسوس


أثارت الحرب أمرأة تدعى البسوس حينما قتل كليب بن ربيعة التغلبي ناقتها فقتله جساس بن مرة البكري رداً على ذلك فقام أخيه المهلهل (الزير سالم) بطلب ثأره.حيث استمرت الحرب أربعين سنة.

وقعت هذه الحرب بين بكر وتغلب ابني وائل ، وقد مكثت أربعين سنة ، وقعت فيها هذه الأيام : يوم النهى ، ويوم الذنائب ، ويوم واردات ، ويوم عنيزة ، ويوم القصيبات ، ويوم تحلاق اللمم ، وجميعها أسماء مواضع تمت فيها الحروب ، ماعدا تحلاق اللمم لأن بني بكر حلقوا فيه جميعاً رؤوسهم فسمي بذلك. وانتصرت تغلب في أربع حروب، وبكر في واحدة، وتكافأت القبيلتان في حرب واحدة.

وهذه قصة هذه الحروب:

لما فض كليب بن ربيعة – اسمه وائل وكليب لقبه ، ولد سنة 440م ، ونشأ في حجر أبيه ، ودرب على الحرب ، ثم تولى رئاسة الجيش : بكر وتغلب زمناً حتى قتله جساس بن مرة سنة 494 م – جموع اليمن في خزا زى وهزمهم اجتمعت عليه معد كلها ، وجعلوا له قسم الملك وتاجه وطاعته ، وغبر بذلك حيناً من دهره ، ثم دخله زهو شديد ، وبغى على قومه لما هو فيه من عزة وانقياد معدّ له ، حتى بلغ من بغيه ، أنه كان يحمي مواقع السحاب فلا يرعى حماه ، وإذا جلس لا يمر أحد بين يديه إجلالاً له ، لا يختبئ أحد في مجلسه غيره ، ولا يغير إلا بإذنه ، ولا تورد إبل أحد ، ولا توقد مع ناره ، ولم يكن بكرى ولا تغلبي يجير رجلا ولا بعيراً أو يحمى إلا بأمره ، وكان يجبر على الدهر فلا تخفر ذمته ، وكان يقول : وحش أرض في جواري ، فلا يهاج ! وكان هو الذي ينزل القوم منازلهم ويرحلهم ، ولا ينزلون ولا يرحلون إلا بأمره ، وقد بلغ من عزته وبغيه أنه اتخذ جرو كلب ، فكان إذا نزل به كلأ قذف ذلك الجر وفيه فيعوى ، فلا يرعى أحد ذلك الكلأ إلا بإذنه ، وكان يفعل هذا بحياض الماء فلا يردها أحد إلا بإذنه أو من آذن بحرب ، فضرب به المثل في العز فقيل : أعز من كليب وائل ، وكان يحمى الصيد فيقول : صيد ناحية كذا وكذا في جواري فلا يصيد أحد منه شيئاً.

وتزوج كليب جليلة بنت مرة بن ذهل بن شيبان، وكان لمرة عشرين بنين جساس أصغرهم ، وكانت بنو جشم ، وبنو شيبان تقيم في دار واحدة إرادة الجماعة ومخافة الفرقة.

وحدث أن كليباً دخل على امرأته جليلة يوماً فقال لها: هل تعلمين على الأرض أمنع مني ذمة ؟ فسكتت، ثم أعاد عليها الثانية فسكتت، ثم أعاد عليها الثالثة فقالت: نعم، أخي جساس – وهو جساس بن مرة ، كان فارساً شهماً أبياً ، وكان يلقب الحامي الجار ، المانع الذمار ، وهو الذي قتل كليباً ، مات سنة 534 م – وندمانه، ابن عمه عمرة المزدلف بن أبى ربيعة بن ذهل ابن شيبان.فسكت كليب ، ومضت مدة ، وبينما هي تغسل رأسه وتسرحه ذات يوم إذ قال لها : من أعز وائل ؟ قالت: أخواي جساس وهمام. فنزع رأسه من يدها وخرج.

وكانت لجساس خالة اسمها البسوس بنت منقذ، جاءت ونزلت على ابن أختها جساس، فكانت جارة لبنى مرة، ولها ناقة خوارة، ومعها فصيل لها، فلما خرج كليب غاضباً من قول زوجه جليلة رأى فصيل الناقة فرماه بقوسه فقتله. وعلمت بنو مرة بذلك، فأغمضوا على ما فيه وسكتوا، ثم لقي كليب ابن البسوس فقال له: ما فعل فصيل ناقتكم ؟ فقال: قتلته وأخليت لنا لبن أمه، وأغمضت بنو مرة على هذا أيضاً.

ثم أن كليباً أعاد القول على امرأته فقال: من أعز وائل ؟ فقالت: أخواي ! فأضمرها في نفسه وأسرها وسكت، حتى مرت به إبل جساس وفيها ناقة البسوس، فأنكر الناقة، ثم قال: ما هذه الناقة ؟ قالوا: لخالة جساس. فقال: أو بلغ من أمر ابن السعدية – أي جساس – أن يجير عليّ بغير إذني ؟ ارم ضرعها يا غلام، فأخذ القوس ورمى ضرع الناقة، فاختلط دمها بلبنها.

وراحت الرعاة على جساس فأخبروه بالأمر، وولت الناقة ولها عجيج حتى بركت بفناء البسوس، فلما رأتها صاحت: واذلاه ! فقال لها جساس: اسكتي فلك بناقتك ناقة أعظم منها، فأبت أن ترضى حتى صاروا لها إلى عشر، فلما كان الليل أنشأت تقول – بخطاب سعداً أخا جساس وترفع صوتها تسمع جساساً:
يا أبا سعد لا تغرر بنفسك وارتحل. . فإني في قوم عن الجار أموات
ودونك أذوادي إليك فإنني. . محاذرة أن يغدروا ببنياتي
لعمرك لو أصبحت في دار منقذ لما ضم سعد وهو جار لأبياتي
ولكنني أصبحت في دار معشر متى يعد فيها الذئب يعدو وعلى شاتي
فلما سمعها جساس قال لها: اسكتي لا تراعي: إني سأقتل جملاً أعظم من هذه الناقة، سأقتل غلالاً – وهو فحل إبل كليب لم ير في زمانه مثله، وإنما أراد جساس بمقالته كليباً -.

ثم ظعن ابنا وائل بعد ذلك، فمرت بكر على نهى – أي غدير – يقال له شبيث ، فنفاه، كليب عنه وقال : لا يذوقون منه قطرة ، ثم مروا على نهى آخر يقال له الأحص ، فنفاهم عنه وقال : لا يذوقون منه قطرة ، ثم مروا على بطن الجريب – واد عظيم – فمنعهم إياه ، فمضوا حتى نزلوا الذنائب ، واتبّعهم كليب وحيه حتى نزلوا عليه ، فمر عليه جساس ومعه ابن عمه عمرو بن الحارث بن ذهل ، وهو واقف على غدير الذنائب ، فقال له : طردت أهلنا عن المياه حتى كدت تقتلهم عطشا ! فقال كليب : ما منعناهم من ماء إلا ونحن له شاغلون. فقال له : هذا كفعلك بناقة خالتي ، فقال له : أوقد ذكرتها أما إني لو وجدتها في غير إبل مرة لا ستحللت تلك الإبل بها ، أتراك مانعي أن أذب عن حماي ، فعطف عليه جساس فرسه فطعنه برمح فأنفذ حضني – الحضن مادون الإبط إلى الكشح- .

فلما تداءمه الموت قال: يا جساس ، اسقني من الماء. فقال : ما علقت استسقاءك الماء منذ ولدتك أمك إلا ساعتك هذه. فالتفت إلى عمرو وقال له: يا عمرو ، أغثني بشربة ماء ، فنزل إليه وأجهز عليه .

وأمال جساس يده بالفرس حتى انتهى إلى أهله على فرسه يركضه ، وقد بدت ركبتاه ، ولما رأته أخته قالت لأبيها : إن ذا لجساس آتى كاشفاً ركبتاه ، فقال : والله ما خرجت ركبتاه إلا لأمر عظيم.

فلما جاء جساس قال له : ما وراءك يا بني ؟ قال : ورائي أني قد طعنت طعنة لتشغلن بها شيوخ وائل زمنا. قال: وماهي ؟ لأمك الويل أقتلت كليبا؟ فقال : نعم ، فقال أبوه : إذن نسلمك بجريرتك ، ونريق دمك في صلاح العشيرة ، والله لبئس ما فعلت ! فرقت جماعتك، وأطلت حربها ، وقتلت سيدها في شارف من الإبل ، والله لا تجتمع وائل بعدها ، ولا يقوم لها عماد في العرب ، ولقد وددت أنك وإخوتك كنتم متم قبل هذا ، ما بي إلا أن تتشاءم بي أبناء وائل ، فأقبل قوم مرة عليه وقالوا : لا تقل هذا ولا نفعل فيخذلوه وإياك ، فأمسك مرة .

ولما قتل كليب اجتمع نساء الحي للمأتم، فقلن لأخت كليب: رحلي جليلة من مأتمك ، فإن قيامها فيه شماتة وعار علينا عند العرب ، فقالت لها : يا هذه ، اخرجي عن مأتمنا ، فأنت أخت واترنا وشقيقة قاتلنا ، فخرجت وهي تجر أعطافها ، فقالت لها أخت كليب : رحلة المعتدي وفراق الشامت ، ويل غداً لآل مرة ، من السكرة بعد السكرة، فبلغ قولها جليلة فقالت : وكيف تشمت الحرة بهتك سترها ، وترقب وترها ،أسعد الله جد أختي ، أفلا قالت : نفر الحياء ، وخوف الاعتداء .

ولما ذهبت إلى أبيها مرة قال لها: ما وراءك يا جليلة ؟ فقالت: ثكل العدد وحزن الأبد ، وفقد حليل ، وقتل أخ عن قليل ، وبين ذين غرس الأحقاد ، وتفتت الأكباد ، فقال لها : أو يكف ذلك كرم الصفح وإغلاء الديات ؟ فقالت: أمنية مخدوع ورب الكعبة أبا لبدن تدع لك تغلب دم ربها.

وكان همام بن مرة ينادم المهلهل أخا كليب وعاقده ألا يكتمه شيئاً. فلما ظعن مره بأهله أرسل إلى ابنه همام فرسه مع جارية ، وأمره أن يظعن ويلحق بقومه. وكانا جالسين، فمر جساس يركض به فرسه مخرجاً فخذيه، فقال همام : إن له لأمراً ، والله ما رأيته كاشفاً فخذيه قط في ركض ، ولم يلبث إلا قليلاً حتى انتهت الجارية إليها ، وهما معتزلان في جانب الحي. فوثب همام إليها، فسارته أن جساساً قتل كليباً، وأن أباه قد ظعن مع قومه، فأخذ همام الفرس وربطه إلى خيمته ورجع ، فقال له المهلهل : ما شأن الجارية والفرس ؟ وما بالك ؟ فقال: اشرب ودع عنك الباطل، قال: وما ذاك ؟ فقال: زعمت أن جساساً قتل كليباً، فضحك المهلهل، وقال: همة أخيك أضعف من ذلك، فسكت. ثم أقبلا على شرابهما ، فجعل مهلهل يشرب شرب الآمن ، وهمام يشرب شرف الخائف ، ولم تلبث الخمر أن صرعت مهلهلا ، فانسل همام وأتى قومه من بنى شيبان ، وقد قوضوا الخيام ، وجمعوا الخيل والنعم ، ورحلوا حتى نزلوا بما يقال له النهى.

ورجع المهلهل إلى الحي سكران ، فرآهم يعقرون خيولهم ، ويكسرون رماحهم وسيوفهم ، فقال : ويحكم ما الذي دهاكم ؟ فلما أخبروه الخبر قال : لقد ذهبتم شر مذهب ، أتعقرون خيولكم حين احتجتم إليها ؟ وتكسرون سلاحكم حين افتقرتم إليه. فانتهوا عن ذلك، ورجع إلى النساء فنهاهن عن البكاء وقال: استبقين للبكاء عيوناً تبكى إلى آخر الأبد.

ولما أصبح غدا إلى أخيه فدفنه، وقام على قبره يرثيه ، وما زال المهلهل بيكي أخاه ويندبه ، ويرثيه بالأشعار ، وهو يجتزئ بالوعيد لبنى مرة ، حتى يئس قومه ، وقالوا : إنه زير نساء ، وسخرت منه بكر ، وهمت بنو مرة بالرجوع إلى الحمى ، وبلغ ذلك المهلهل فانتبه للحرب ، وشمر ذراعيه ، وجمع أطراف قومه ، ثم جز شعره ، وقصر ثوبه ، وآلى على نفسه ألا يهتم بلهو ولا يشم طيباً ، ولا يشرب خمراً ، ولا يدهن بدهن حتى يقتل بكل عضو من كليب رجلاً من بنى بكر بن وائل. وحث بنى تغلب على الأخذ بالثأر ، فقال له أكابر قومه : إننا نرى ألا تعجل بالحرب حتى نعذز إلى إخواننا ، فبالله ما تجدع بحرب قومك إلا أنفك ، ولا تقطع إلا كفك ! فقال: جدعه الله أنفاً ، وقطعها كفاً ، والله لا تحدثت نساء تغلب أني أكلت لكليب ثمناً ولا أخذت له دية ، فقالوا : لا بد أن تغض طرفك وتخفض جناحك لنا ولهم ، فكره المهلهل أن يخالفهم فينفضوا من حوله ، فقال: دونكم ما أردتم.

وانطلق رهط من أشرافهم وذوي أسنانهم حتى أتوا مرة بن ذهل فعظموا ما بينهم وبينه، وقالوا له: إنكم أتيتم أمراً عظيماً بقتلكم كليباً بناب من الإبل، وقطعتم الرحم، ونحن نكره العجلة عليكم دون الإعذار، وإننا نعرض عليكم إحدى ثلاث، لكم فيها مخرج ولنا مرضاة.

إما أن تدفعوا إلينا جساساً فنقتله بصاحبنا، فلم يظلم من قتل قاتله ، وإما أن تدفعوا إلينا هماماً فإنه ند لكليب ، وإما أن تقيدنا من نفسك يا مرة ، فإن فيك رضا القوم.

فسكت وقد حضرته وجوه بنى بكر بن وائل فقالوا: تكلم غير مخذول ، فقال: أما جساس فغلام حديث السن ركب رأسه ، فهرب حين خاف ، فوالله ما أدري أي البلاد انطوت عليه . وأما همام فأبو عشرة وأخو عشرة، ولو دفعته إليكم لصيح بنوه في وجهي وقالوا: دفعت أبانا للقتل بجريرة غيره. وأما أنا فلا أتعجل الموت ، وهل تزيد الخيل على أن تجول جولة فأكون أول قتيل ! لكن هل لكم في غير ذلك ؟ هؤلاء بنيّ فدونكم أحدهم فاقتلوه ، وإن شئتم فلكم ألف ناقة تضمنها لكم بكر بن وائل. فغضبوا وقالوا : إنا لم نأتك لترذل لنا بنيك ، ولا لتسومنا اللبن. ورجعوا فأخبروا المهلهل، فقال: والله ما كان كليب بجزور نأكل له ثمناً.

واعتزلت قبائل من بكر الحرب ، وكرهوا مساعدة بني شيبان ومجامعتهم على قتال إخوتهم ، وأعظموا قتل جساس كليباً بناب من الإبل ، فظعنت عجل عنهم ، وكفت يشكر على نصرتهم ، ودعت تغلب النمر من قاسط فانضمت إليها ، وصاروا يداً معهم على بكر ، ولحقت بهم عقيل بنت ساقط.

وكان الحارث بن عباد بن ضبيعة من قيس بن ثعلبة من حكام بكر وفرسانها المعدودين، فلما علم بمقتل كليب أعظمه ، واعتزل بأهله وولد إخوته وأقاربه ، وحل وتر قوسه ، ونزع سنان رمحه.

ووقعت الحرب بين الحيين، وكانت وقعات مزاحفات يتخللها مغاورات، وكان الرجل يلقى الرجل والرجلان والرجلين هكذا ، وأول وقعة كانت على ماء لهم يقال له النهى كان بنو شيبان نازلين عليه ، ورئيس تغلب المهلهل ورئيس شيبان الحارث بن مرة فكانت الدائرة لتغلب ، وكانت الشوكة في شيبان ، واستحر القتال فيهم ، إلا أنه لم يقتل ذلك اليوم أحد من بني مرة.

ثم التقوا بالذنائب فظفرت بنو تغلب ، وقتلت بكر مقتلة عظيمة ، ثم التقوا بواردات فظفرت بنو تغلب ، وكان جساس بن مرة وغيره طلائع قومهم وأبو نويرة التغلبي طلائع قومهم أيضاً ، فالتقوا بعض الليالي فقال له أبو نويرة : اختر إما الصراع أو الطعان ، أو المسايفة – أي التضارب بالسيوف- ، فاختار جساس الصراع فاصطرعا ، وأبطأ كل واحد منهما على أصحاب حيه ، وطلبوهما فأصابوهما وهما يصطرعان ، وقد كاد جساس يصرعه ففرقوا بينهما.

ثم التقوا بعنيزة فتكافأ الحيان، ثم التقوا بالقصيبات وكانت الدائرة على بكر ، وقتل في ذلك اليوم همام بن مرة أخو جساس ، فمر به مهلهل مقتولاً فقال له : والله ما قتل بعد كليب قتيل أعز عليّ فقداً منك.

ثم كانت بينهم معاودة ووقائع كثيرة، كل ذلك كانت الدائرة فيها لبنى تغلب، ثم إن تغلب جعلت جساساً أشد الطلب، فقال له أبوه مرة: الحق بأخوالك بالشام، فامتنع، فألح عليه أبوه فسيره سراً في خمسة نفر ، وبلغ الخبر مهلهل ، فندب أبا نويرة ومعه ثلاثون رجلاً من شجعان أصحابه ، فساروا مجدين، فأدركوا جساساً فقاتلهم ، فقتل أبو نويرة وأصحابه ولم يبق منهم غير رجلين ، وجرح جساس جرحاً شديداً مات منه ، وقتل أصحابه فلم يسلم غير رجلين أيضاً، فعاد كل واحد من السالمين إلى أصحابه.

فلما سمع مرة بقتل ابنه جساس قال: إنما يحزنني أن كان لم يقتل منهم أحداً، فقيل له: إنه قتل بيده أبا نويرة رئيس القوم، وقتل معه خمسة عشر رجلاً ما شركه أحد منا في قتلهم، وقتلنا نحن الباقين، فقال: ذلك مما يسكن قلبي عن جساس.

فلما قتل جساس أرسل أبوه مرة إلى مهلهل: إنك قد أدركت ثأرك وقتلت جساساً فاكفف عن الحرب، ودع اللجاج والإسراف، فهو أصلح للحيين وأنكأ لعدوهم، فلم يجب إلى ذلك.

ثم إن بنى بكر اجتمعوا إلى الحارث بن عباد، وقالوا له: قد فني قومك ! فأرسل بجيراً ابن أخيه إلى مهلهل وقال له: قل له: إني قد اعتزلت قومي لأنهم ظلموك، وخليتك وإياهم ، وقد أدركت ثأرك وقتلت قومك. فأتاه بجبر فهمّ المهلهل بقتله ، فقال له امرؤ القيس بن أبان – وكان من أشراف بنى تغلب وكان على مقدمتهم زمناً – : لا تفعل ، فوالله لئن قتله ليقتلن به منكم كبش ، لا يسأل عن خاله من هو ؟ وإياك أن تحقر البغي ، فإن عاقبته وخيمة ، وقد اعتزلنا عمه وأبوه وأهل بيته. فأبى مهلهل إلا قتله، فطعنه بالرمح وقتله وقال له: (بؤ بشسع نعل كليب)! فلما بلغ قتله الحارث – وكان من أحلم أهل زمانه وأشدهم بأساً- قال: نعم القتيل قتيل أصلح بين ابني وائل ! فقيل له: إنما قتله بشسع نعل كليب، فلم يقبل ذلك.

وأرسل الحارث إلى مهلهل: إن كنت قتلت بجير بكليب، وانقطعت الحرب بينكم وبين إخوانكم فقد طابت نفسي بذلك. فأرسل إليه مهلهل: إنما قتلته بشسع نعل كليب ! فغضب الحارث ودعا بفرسه – وكانت تسمى النعامة – فجز ناصيتها وهلب ذنبها- الهلب: الشعر كله وقيل في الذنب وحده -.

ثم ارتحل الحارث مع قومه، حتى نزل مع جماعة بكر بن وائل، وعليهم يومئذ الحارث بن همام، فقال الحارث بن عباد له : إن القوم مستقلون قومك ، وذلك زادهم جرأة عليكم ، فقاتلهم بالنساء ، قال له الحارث بن همام : وكيف قتال النساء ؟ فقال : قلد كل امرأة إداوة من ماء ، وأعطها هراوة ، واجعل جمعهن من ورائكم ، فإن ذلكم يزيدكم اجتهاداً ، وعلموا قومكم بعلامات يعرفنها ، فإذا مرت امرأة على صريع منكم عرفته بعلامته فسقته من الماء ونعشته ، وإذا مرت على رجل من غيركم ضربته بالهراوة فقتلته ، وأتت عليه.

فأطاعوه، وحلقت بنو بكر يومئذ رؤوسها، استبسالاً للموت ، وجعلوا ذلك علامة بينهم وبين نسائهم ، وقال جحدر بن ضبيعة- وإنما سمي جحدراً لقصره – : لا تحلقوا رأسي ، فإني رجل قصير ، ولا تشينوني ، ولكن أشتريه منكم بأول فارس. يطلع عليكم من القوم، فطلع ابن عناق فشد عليه فقتله.

واقتتل الفرسان قتالا شديداً ، وانهزمت بنو ثغلب ، ولحقت بالظعن بقية يومها وليلتها ، واتبعهم سرعان بكر بن وائل ، وتخلف الحارث بن عباد ، فقال لسعد بن مالك : أتراني ممن وضعته الحرب ! فقال : لا ، ولكن لا مخبأ لعطر بعد عروس.

وأسر الحارث مهلهلاً بعد انهزام الناس وهو لا يعرفه، فقال له: دلني على المهلهل. قال: ولي دمي ؟ فقال: ولك دمك، قال: ولى ذمتك وذمة أبيك ؟ قال: نعم ، ذلك لك. قال المهلهل- وكان ذا رأي ومكيدة- : فأنا مهلهل خدعتك عن نفسي ، والحرب خدعة، فقال : كافئني بما صنعت لك بعد جرمك ودلني على كفء لبجير ، فقال : لا أعلمه إلا امرأ القيس بن أبان ، هذاك علمه. فجز ناصيته وأطلقه ، وقصد امرئ القيس فشد عليه فقتله .

فلما رجع مهلهل بعد الوقعة والأسر إلى أهله جعل النساء والوالدان يستخبرونه: تسأل المرأة عن زوجها وابنها وأخيها، والغلام عن أبيه وأخيه ،ثم إن مهلهلاً قال لقومه : قد رأيت أن تبقوا على قومكم ، فإنهم يحبون صلاحكم ، وقد أتت على حربكم أربعون سنة ، وما لمتكم على ما كان من طلبكم ، فلو مرت هذه السنون في رفاهية عيش لكانت تمل من طولها ، فكيف وقد فني الحيان وثكلت الأمهات ويتم الأولاد ، ورب نائحة لا تزال تصرخ في النواحي ، ودموع لا ترفأ ، وأجساد لا تدفن ، وسيوف مشهورة ، ورماح مشرعة ، وإن القوم سيرجعون إليكم غداً بمودتهم ومواصلتهم ، وتتعطف الأرحام حتى تتواصوا ، أما أنا فما تطيب نفسي أن أقيم فيكم، ولا أستطيع أن أنظر إلى قاتل كليب، وأخاف أن أحملكم على الاستئصال ، وأنا سائر عنكم إلى اليمن.

ثم خرج حتى لحق بأرض اليمن، فخطب إليه أحدهم ابنته فأبى أن يفعل، فأكرهوه وساقوا إليه أدَماً في صداقها فأنكحها إياه ، وكان قد بلغ قبائل بكر وتغلب زواج سليمى في مذحج ، وكان بين القومين منافسة ونفور، فغضبوا وأنفوا، وقصدوا بلاد القوم فأخذوا المرأة وأرجعوها إلى أبيها بعد أن أسروا زوجها.

وملت جموع تغلب الحرب فصالحوا بكراً، ورجعوا إلى بلادهم ، وتركوا الفتنة ، ولم يحضر المهلهل صلحهم ، ثم اشتاق إلى أهله وقومه ، ولجت عليه ابنته سليمي بالمسير إلى الديار ، فأجابها إلى ذلك ، ورجع نحو قومه ، حتى قرب من قبر أخيه كليب ، وكانت عليه قبة رفيعة ، فلما رآه خنقته العبرة ، وكان تحت بغل نجيب، فلما رأى البغل القبر في غلس الصبح نفر منه هارباً ، فوثب عنه المهلهل ، وضرب عرقوبيه بالسيف ، وسار بعد ذلك حتى نزل في قومه زماناً ، وما وكده – أي قصده – إلا الحرب ، ولا يهم بصلح ، ولا يشرب خمراً ، ولا يلهو بلهو ، ولا يحل لأمته ، ولا يغتسل بماء ، حتى كان جليسه يتأذى منه من رائحة صدأ الحديد.

فلما كان ذات يوم دخل عليه رجل من تغلب اسمه ربيعة بن الطفيل، وكان له نديماً، فلما رأى ما به قال : أقسمت عليك أيها الرجل لتغتسلن بالماء البارد ، ولتبلن ذوائبك بالطيب ! فقال المهلهل: هيهات ! هيهات ! يا بن الطفيل ، هبلتني إذا يميني ، وكيف باليمين التي آليت ! كلاً أو أقضي من بكر أربى ، ثم تأوه وزفر .

ونقض الصلح، وعادت الحرب، ثم إن المهلهل أغار غارة على بنى بكر، فظفر به عمرو بن مالك أحد بنى قيس بن ثعلبة، فأسره وأحسن إساره، فمر عليه تاجر يبيع الخمر – وكان صديقاً للمهلهل- فأهدى إليه وهو أسير زقاً من خمر، فاجتمع شبان من قيس بن ثعلبة ونحروا عنده بكراً، وشربوا عند مهلهل في بيته الذي أفرد له ، فلما أخذ فيهم الشراب تغنى مهلهل بشعر ناح فيه على أخيه.

فلما سمع عوف ذلك غاظه وقال: لا جرم إن الله على نذراً، إن شرب عندي قطرة ماء ولا خمر حتى يورد الخضير – أي لا يشرب شيئاً قبل خمسة أيام -، فقال له أناس من قومه: بئس ما حلفت ! فبعثوا الخيول في طلب البعير فأتوا به بعد ثلاث أيام، وكان المهلهل مات عطشاً.

جميل بثينة


في العصر الأموي وفي عهد الخليفة عبد الملك بن مروان أو الخليفة الوليد بن عبد الملك حدثت قصة جميل وبثينة . كانت بثينة فتاة من بني الأحب وهم من رهط بنى عذرة، وكذلك جميل، كان من رهط آخر من بني عذرة هم رهط عامر. وكان بنو عذرة يعيشون في البادية شمال الحجاز، في وادي القرى الذي يقع على مقربة من الطريق التجاري بين مكة والشام . وهو واد خصب، استقرت به تلك القبيلة، وكانت مشهورة منذ العصر الجاهلي بالقوة والمنعة والشرف . وقد دخلت بنو عذرة الاسلام في السنة السابقة للهجرة، وشارك أبناؤها في غزوات الرسول وفي الفتوحات الإسلامية . وإلى بنى عذرة ينسب الحب العذري، وهو نوع من الوجد يستبد بالعاشق فيسيطر عليه خيال محبوبته، ويظل يفكر فيها ليلا ونهارا، ممتنعا عن العمل والطعام حتى يصل إلى درجة من الهزال قد تفضى به إلى الموت . حدث هذا للشاعر جميل عندما رأى بثينة وهو يرعى إبل أهله، وجاءت بثينة بإبل لها لترد بها الماء، فنفرت إبل جميل، فسبها، ولم تسكت بثينة وإنما ردت عليه، أى سبته هى أيضاً . وبدلا من أن يغضب أعجب بها، وتطور الإعجاب إلى حب، ووجد ذلك صدى لديها، فأحبته هى الأخرى ، وراحا يتواعدان سرا. وكلما التقيا زادت أشواقهما، فيكرران اللقاء حتى وصل الخبر إلى أهل بثينة. وبدلاً من أن يقبلوا يد جميل التى امتدت تطلب القرب منهم في ابنتهم رفضوها، وتوعدوه بالانتقام، ولكي يزيدوا النار اشتعالاً سارعوا بتزويج ابنتهم من فتى منهم. وتقول الحكايات أن جميلا لم يستسلم، بل راح يتحدى أهل بثينة، ويهزأ بهم، ويهددهم منشدا
ولو أن الفا دون بثينة كلهم —– غيارى وكل حارب مزمع قتلى
لحاولتها إما نهارا مجاهرا وإما —– سرى ليل ولو قطعت رجلى
كان جميل فارسا شجاعا يعتز بسيفه وسهامه، فلم يتأثر حبه لبثينة بزواجها، ووجد السبل إلى لقائها سراً في غفلة من الزوج. وعلم الزوج باستمرار علاقة بثينة بجميل ولقاءاتهما السرية، فلجأ إلى أهلها وشكاها إليهم، فتوقفت اللقاءات فترة، لكنها سرعان ما عادت أقوى وأشد مما كانت ! ويبدو أن بثينة لم تكن تعبأ بما قد يفعله زوجها أو أهلها ، فهم في نظرها من أرغموها على الزواج بمن لا ترغب، وعليهم أن يتحملوا وزر فعلتهم . ولكن ما نوع تلك اللقاءات المتكررة بين جميل وبثينة ؟ هل كانت لقاءات بريئة كما يؤكد بعض الرواة ؟! ولكن كيف نصدق تلك الروايات وجميل نفسه يؤكد لنا في أشعاره أنه كان يقضى الليل كله بصحبة بثينة . مضطجعا بجوارها، أحيانا لمدة ثلاث ليال ! فإذا ما أسفر الصبح أو كاد، تشفق بثينة عليه، وتلح عليه أن ينصرف فيأبى معتزاً بسيفه وسهامه ولكنها تلح حتى ينصرف . وتحكي الروايات أنهما اضطجعا ذات مرة فأخذهما النوم، وفي الصباح جاء غلام لزوجها يحمل إليها اللبن ، فرأى جميل بجوارها، فأصابه الفزع فجرى لينبئ سيده، وفي طريقه التقى بواحدة من صاحبات بثينة عرفت منه الحكاية، فأسرعت تحذر صاحبتها، ودخلت على العاشقين فحذرتهما، واستطاعت وبثينة أن تقنعا جميلاً فنام، ووضعتا عليه من الوسائد والفرش ما أخفاه. واضطجعت صاحبة بثينة إلى جانبها وتظاهرت بالنوم . فلما أقبل زوج بثينة وأبوها وأخوها لم يروا جميلاً بل رأوا المرأتين فانصرفوا خجلين وقضى جميل يومه مع بثينة ! وحكايات بثينة مع جميل كثيرة، وهى تجعلنا نتوقف لنتساءل أى نوع من النساء كانت ؟ هل كانت تحبه حقا، أم أنها كانت أكثر ولعا بأشعاره عنها خاصة وقد ذاع صيت تلك الأشعار حتى وصل إلى أولي الأمر من بنى أمية ؟ ولنرى كيف يصفها والد جميل، وهو يحاول أن ينصحه بالابتعاد عنها : يابنى حتى متى ستبقى في ضلالك لا تأنف من أن تتعلق بذات بعل يخلو بها وأنت عنها بمعزل، ثم تقوم إليك فتغرك بخداعها وتريك الصفاء والمودة وهي مضمرة لبعلها ما تضمره الحرة لمن ملكها، فيكون قولها لك تعليلاً وغروراً، فإذا انصرفت عنك عادت إلى بعلها على حالتها المبذولة . وتؤكد بعض الروايات أن جميلاً كان مستهتراً ماجنا، وبعضها الآخر يؤكد أنه كان عاشقا مدلها، نصحه أهله بالابتعاد عن امرأة متزوجة، وهددوه بأن يتبرءوا منه، ولكنه لم يستطع أن يبرأ من حبه لبثينة. ويروى أن رجلا احتال على جميل كي ينسيه حبه لبثينة فزين له سبع بنات، فكن يتصدين له متبرجات ويحاولن التقرب منه، ولكنه فطن للحيلة، وصد عنهن جميعاً . وراح ينشد
أيا ريح الشـمال أما تريني —– أهيم وأنني بادي النحول
هبي لي نسمة من ريح بثن —– ومني بالهبوب إلى جميل
وقولى يابثينة حسب نفس —– قليلك أو أقل من القليل
وتروى الروايات أن أهل بثينة شكوا جميلا إلى الخليفة فأهدر دمه، واستدعى بثينة ليسألها فكان بينهما مزاح ! ويسمع جميل بأمر إهدار دمه، فيفر إلى اليمن ويلبث بها فترة، ثم يعود ليجد أن أهل بثينة قد رحلوا إلى الشام. ولا يثنيه ذلك عن عزيمته، فيرحل وراءهم، وهناك يلتقي ببثينة عدة مرات، ثم يصيبه اليأس أخيراً فيشد رحاله إلى مصر، ويظل بها فترة يبكي حبه، وينشد الأشعار في الحنين إلى أيامه مع بثينة شوقه لها حتى يموت بمصر

تغريبة بني هلال


هي اشهر قصة تروى من قديم الزمان الى اليوم قصة رحيل بني هلال من الجزيرة العربية وقيل ان بني هلال كانوا بدو واعدادهم آبيره عندما نزحوا من الحجاز بعد ان تتابع عليهم الفقر والقحط وقد ارسلوا يبحثون عن بلاد خصبه صالحه لهم ولحلالهم واختاروا شخص واحد بعينه لانهم عارفينه جيدا فكان الشجاع ( ابو زيد الهلالي ) ويرافقه اثنان هم يونس ومرعي وعندما وصل الثلاثه الى مكان تونس حاليا وكانو سايرين على ركابهم قبل اغلاق قناة السويس كان موضوعه بالطريق لري الماء استنكرهم اهل البلد وسجنوهم عند زعيم البلاد الزناتي خليفه وكان للزناتي بنت يعتمد عليها في بعض الامور لانها تعرف ( بالكهانه ) تسمى (الصفيراء ) فعرفتهم البنت لانها كانت بالسابق قد قالت ان هنالك قوم سيأتون لارضنا وسينازعوننا عليها واول ركبهم ثلاثة منهم ولكن بنت الزناتي هذه عندما رأتهم وقع الحب في قلبها ( لمرعي ) لجماله الشديد وبدون ان يعلم والدها قابلت ابا زيد الهلالي واخبرته انها تعرفهم واحدا واحدا وبرهنت على ذلك بأن اخبرت ابا زيد بنجد والحجاز واسماء قبيلته واسمائهم وسبب مجيئهم لتونس وقالت له سوف اجعلكم تأتون لبلادنا ولن اخبر والدي بأمرآم بشرط ان تزوجني من مرعي ولد اختك وسوف احجز مرعي ويونس عندي لحين تعود بأهلك وساعتها اطلقه وتزوجنيه والا سوف اخبر ابي الزناتي بكل شي وستطير رقابكم آلكم فعاهدها ابا زيد على آل شي واحضروهم الثلاثه عند الزناتي خليفه وسألهم من انتم ولماذا انتم في بلادنا وقد شك في امرهم الزناتي لانه قد تذآر ان بدوا سيأتون للبلاد غازين آالجراد ومقدمتهم ثلاثه شبان فسأل أبنته الصفيراء هل هم الثلاثه التي تكهنتي بهم من قبل فقالت : ليسوا هم وكانت تكذب وقالت : انظر لهذا العبد انه اسمر اللون كيف يكون زعيم قوم وليس لرأسه شعر بسبب نقل الماء على رأسه لمعازيبه ولكن سبب قلة شعر ابا زيد من كثر لبسه للخوذه والدروع بالحروب فلما اقتنع الزناتي ظاهريا بالامر امامهم اطلق ابا زيد وقال اطلقك ولكن الاثنان الباقين سيبقون لدي فأنا اشك بهم وسوف اعرف خبرهم.
ولكن الزناتي آان داهية ايضا فوضع خطه لكشف ابا زيد بأن أمر مولى له يسمى العلام بأن يكون جاسوسا يرافق ابا زيد لخارج تونس وقال الزناتي للعلام خذ معك بعض الرجال وعندما تصلون لمكان آذا في ارضنا اجعلوه يوقد لكم على النار للعشاء وانتم قوموا وألعبوا على الخيل وتسابقوا واخبرني ماذا يحصل اذا انتبه للخيل فلما وصلوا للمكان الذي حدده لهم الزناتي قال العلام : قم يا عبد اوقد النار واعمل العشاء وآانت الشمس قبل الغروب فقام ابا زيد واوقد النار وجلس عند القدور يعد العشاء وساعتها قام العلام ورجاله واخذوا يتسابقون على الخيل امام ابا زيد ويلعبون وعندما شاهدهم ابا زيد تأثر برؤية الخيل وترك القدور وانفعل وابتهج بما يشاهد وآان العلام يراقبه وآانت بنت الزناتي قد حذرت ابا زيد قبل ابعاده بأن ابوها يشك ولابد ان يعمل له حيله ونزل العلام ورفاقه من خيلهم وجلسوا ثم قام العلام وابتعد عن رجاله ونادى ابا زيد فقال العلام : انت زعيم ولست عبدا وسنعود بك للزناتي لقتلك فأخذ ابا زيد بدهائه يقص عليه قوة قومه وشجاعة فرسانهم فتضايق العلام من هذا العبد وقال اني سوف اطلقك بشرط ان تعاهدني على ان تحضر فرسانا من قومك يشبعونني طرادا على الخيل على ان تقتلني او اقتلك وسأحتال في اطلاقك وآان يقول ذلك بتباهي لقوته و استصغارا لابا زيد ولقومه قال ابا زيد : لك ماتريد وهذا عهدا مني بما تريد ياعلام وفي منتصف الليل قام العلام وآلهم نائمون فتقدم من ابا زيد وقال قم ياعبد فقال ابا زيد مانمت ياعلام لكن لي طلب يونس ومرعي ما اهرب الا هم معي قال العلام : ياعبد ماذا تريد بهم قال ابا زيد : امانه ولا اقدر على ترآها فأعطاه العلام آلمة السر لصاحب بوابة السجن وآانت الصعوبه بدخول البوابه والباقي يسير وقال العلام يا ابا زيد سوف اتأخر بالوصول للزناتي واخبر من معي بهروبك في الصباح فهرب ابا زيد ودخل المدينه لينقذ اصحابه وعند البوابه قال صاحب السجن من بالخارج قال ابا زيد : العلام قال صاحب البوابه : ما نخبر العلام في هذا المقام زاير أي العلام ما يجي بهذا الوقت فقال ابا زيد الهلالي آلمة السر فأرتبك الحارس وفتح البوابه وآان الظلام لايميز به احد فدخل ابا زيد للداخل وآان يعرف مكانهم لانه آان معهم من قبل وحين دخل المكان لم يجد الا يونس وقال له يونس ان مرعى عند الصفيراء ولايمكن فكه ولا وقت لدينا وعلينا بالهرب قبل انكشاف الامر فتضايق ابا زيد لترآه مرعي خلفهم وخرجوا هاربين ليلا الى نجد وفي الصباح وصل العلام متأخرا وقصد صاحب البوابه فقال له : ما علمك يا صاحب البوابه قال : العلم البارحه انت خابره قال اخبرت احد بالامر قال صاحب البوابه انت مولنا ومايخرج السر من اثنين الا وينتشر وفجاءه اخرج العلام الخنجر وضربه بصدره حتى لا ينكشف امره وانتشر بعد ذلك خبر هروب ابا زيد ويونس .
وعند رجوعهم اخبروا القوم بتونس الخضراء والزناتي وقومه وجيشه وتأسف على بقاء مرعي هناك مسجون فقرر ابا الزيد الرحيل بالقوم لذلك المكان الخصب وآان من بين فرسان بني هلال الفارس الشهير ذياب بن غانم وحيث آان ساعة الرحيل صبيا لم تظهر افعاله الا بعد الرحيل وآان سبب رحيل بني هلال القحط وقد قال شاعر من بني هلال السبب :
ثمان سنين ماهوى نجد قطره
ولا مزنة غراء ولا بذار
لك الله صبيان النشاما تغيروا
بناب ضحوك يعجب الخطار
وايضا قول شاعر اخر :
رحلنا ولا ابقينا بنجد حسوفه
سوى عيلم بين اللواء وزرود
والفين ورد الماء والفين صدره
والفين ما بين العدام ورود
تراها بوادي الشري يا جاهل بها
عليها النواز النايفات اشهود
ترد لها تسعين من جلد بكره
وتسعين مع تسعين جلد قعود
لا زاد ورده زاد مياح جمه
عد الى حرك تراه يزود
دفناه عن ناس تولاه بعدنا
شحاح ولا بالطايلات تجود
بذرنا عليه الجود لين امحلت به
سنين القسا ما لجلجن برعود
ورحلنا وعنه النفس ما هيب طايبه
عسانا الى عاد السحاب نعود
عسانا نعود ونبتها يكسي الوطا
ومن عشب ترمسها عليه ورود
غربيها زيزا بها الريم والمها
وشرقيها يذرى عليه نفود
عسى اله العرش يسقي ترابها
وعليها بدهم الممطرات يجود
حيث انها تالد بها شمخ الذرا
ونصيها للصافنات مدود
وبالبيت الثالث والعاشر نعرف ان منازلهم بوادي شري الواقع شمال الاسياح.
فأخذوا اتجاه الشمال اولا ناحية العراق ومروا في طريقهم على الخفاجي عامر وهو شيخ وزعيم مشهور بالكرم وقصره يسمى الاخيضر ومعروف بنواحي العراق وقيل ان قصره مهاب لان فيه ثعبان يسمى( عربيد ) يظهر حينا ويختفى حينا ونزل القوم ناحية قصره واآرمهم واستظافوه بخيامهم وعاشرهم ومكثوا في تلك الارض مده فتعلق قلبه ببني هلال وبكثرة ( جمال بنات بني هلال ) تولع قلبه بحب احداهن وحين ارادوا الرحيل ترك قصره ورحل معهم وقيل ان ام الخفاجي اخذت تتبعه خلفهم وهو يقول لها انه سيعود وآان ليس معه الا فرسه وبعض اصحابه وبعض الطعام والماء ومما يوآد رحيله قول الشاعر منهم :
واصبح ذو مكانه عندهم ومقرب لعليه قوم بني هلال واآتسح بني هلال الاراضي ناحية سوريا والاردن وفلسطين حاليا ثم انحدروا راجعين للجنوب ناحية سيناء ومصر واستمروا بالتقدم حتى اقبلوا على تونس وهم بطريقهم هذا في قتال مع من يمتنع او يطرد حلالهم عن الرعي وقيل ان حلالهم من ابل وخيل وغنم يغطي الافق وآذلك آثرة رجالهم وفرسانهم وعند حدود تونس ترآوا مواشيهم وابلهم بالاراضي الخصبه مع ذياب بن غانم حاميا لها لانه يعد عن مائة فارس وظهرت افعاله وذاع صيته في آل القفار وقالوا اما ان نجعل عندها ذياب بن غانم او مائة فارس فقال ذياب انا ابقى واحرسها ووصلت الاخبار الزناتي بقدومهم وآان الزناتي قد رأى رؤيا تبين خيانة ***ته الصفيراء بتهريب ابا زيد ورفاقه فسألها عما سيجرى من احداث فتكهنت وقالت جميع الجنود لاتخاف منهم الا ان آان شي قد آتبه الله وآانت تقصد ان من بين جنوده عبدا ربما يغدر به لاعداه لكن لم تفصح له بذلك وأآدت بأنه سينتصر وهي تعلم انه سيقتل ولكن اخفت ذلك لرغبتها باشعال الحرب مع بني هلال حتى تثأر من ابا زيد لخيانته ومساعدة مرعي على الهرب وهو في ذلك الحال جاء الخبر بقدوم وفد للزناتي للمفاوضه من بني هلال وحين سلموا عليه قال لهم الزناتي:
ثم دعا الزناتي بنته الصفيراء مره ثانية وقال اخبريني بكل شي وهددها فقالت ان الامر انتهى وانت وعدتهم بالحرب والقوم على ابواب تونس وان آنت تعلم بما دبرته انا بخط الرمل او رؤياك فلا يفيد الان ولكن لاتخف فالنصر لك والقدر مكتوب فقال وهل تعرفين من قاتل ابوآي فقالت مافيهم الا رجل واحد ربما هو قاتلك فقال ذياب بن غانم قالت لكنه ليس معهم وهو بعيد عنك .
وآان ابا زيد قبل هروبه وهو في سجن الزناتي قد تعاهد وصادق عبد من اهل الزناتي بان ينصره اذا عاد أليهم والدليل قول ابا زيد ابيات تؤآد ذلك :
يقول ابو زيد الهلالي سلامه
تجار نجد هالني آبر زومها
يقولون ذا ونقول لا ثم ننثني
لحاجتنا ناطا الغلا من حكومها
عفا الله عني ليلة بت ساهر
بجو السميراء بت اساهر نجومها
بت لكني شارب قرقفيه
امدفقة فيه الافاعي اسمومها
نفسي تمنيني على ذبح خير
على غير حق اوهمه من اوهومها
وهو يذبح الكوما الى قلص القرا
ولا قال يكفي درها عن لحومها
ولولاه ما بتنا نجد عشيه
ولا وقفت زلباتنا في حزومها
وهو حسن الشدة وحسن الرخاء
وهو اميرنا في جميع علومها
ولو العجوز العامرية ما ارثت
لنا حسن آنا جميع نلومها
وبدأت المعارك وطالت الحروب بينهم وقيل ان الخفاجي عامر الذي ترك العراق وقصره قد حارب معهم شهرا آاملا ثم قتل وايضا قتل من بني هلال قوم آثير وعجز ابا زيد من قتل الزناتي وعجز القوم بين آر وفر عن هزيمة الزناتي وجيشه ولهذا اضطر بنو هلال ( الى ذياب بن غانم ) ( لأنه عن مئة فارس ) لان حضوره للحرب اهم من حراسة الحلال فأرسلوا له رجلا اسمه سعد وحين وصل الى ذياب بدأ يسأله عما حدث على بني هلال ويخص بالسؤال اعيانهم ويقول ذياب:
ياسعد خبرني ولا تكن ما جرى
عن الخيل والشبان من جا خيارها
انشدك عن سابق بدير بن وايل
هي من طوال الخيل او من اقصارها
قال سعد :
ياسيدي سابق بدير بن وايل
ضربت بسيف هد عالي فقارها
قال ذياب :
انشدك عن عيال الزغابا الثلاثه
هم نقوتي ياسيدي من صغارها
قال سعد :
ياسيدي آل الثلاثه ذبحوا
ما جيتك الا قد توافت عمارها
قال ذياب :
انشدك عن ولد الخفاجي عامر
عساه سالم من بلاوي اخطارها
قال سعد :
ثلاثين ليلة حامي الترك عامر
لك الله ما درى ليلها من نهارها
ومن ذبحته آل النسا زاد حزنها
يهلن على قبر الخفاجي اعبارها
قال ذياب :
لا حلكم لا بلكم وابل الحيا
ويقطع انجوع ما ثنت دون جارها
فغضب ذياب وضرب سعد بعقب الرمح من شدة الغضب لما سمعه من سعد من تساقط خيار بني هلال وعجزهم القضاء على الزناتي وجيشه وعاد معه الى بني هلال وترآوا الحلال فلما وصل الى العرب وجدهم في غاية الذل من فعال الزناتي خليفه والعلام وآان والده آبير السن وليس له غيره من الاولاد وهو غانم النواق فأوصاه ذياب سرا ان يبتعد عن الزناتي خوفا عليه وامام القوم يشجعه على قتال الزناتي فسمعت ام ذياب مادار بين غانم وابنها ذياب وامه هي اخت ابا زيد فقالت خائفه :
لا تردي ياولدي يا هداني مقصر
عساك عن برد الجنان تغيب
عساك يا ولدي وان تداريت عنهم
شلفاه تخطيهم وفيك تصيب
أما الزناتي فوضع على الممرات الذي يمتد الى قصره آلاليب يعرف مكانها ويبتعد عنها ودائما تخطف هذه الكلاليب الفرسان فيبقى الفارس معلقا فتمر من تحته فيعود الزناتي اليه ويقتله بسهوله وقد قال الزناتي ابياتا ذآر فيها انه اشار على قومه بالنزوح قبل الحرب ثم ذآر اسفه على بنته الصفيراء التي آان على الله ثم على رأيها عندما اشارت عليه اطلاق ابي زيد من السجن :
يقول الزناتي والزناتي خليفه
فنفس الفتي لا بدها من زوالها
حلمت إلي ناشي من الشرق مزنه
يمطر آما شوك البلنزا خيالها
مشت خميس وامطرت يوم جمعه
هلت على قومي مقادم افعالها
مطرها الصبايا والسبايا وبرقها
سيوف تلضي في يماني ارجالها
ياليتني ماصرت شيخ لقابس
وهني نفسي ما عليها ولا لها
وهني نفسي ماآلت مال مسلم
ولا خلطت مال اليتاما ابمالها
نظرت قومي نظرة ما تسرني
وجيه العذارا طلقوها ارجالها
آبار اللحا لا بارك الله باللحى
صغار اللحى شبوا بقومي فعالها
إلا وابلادي زينة الماء مريفه
مدعوجة بالنيل تندا اجبالها
مساس عن الرمضا دآاك عن الحصا
والبق والبرغوت ما جا بجالها
وشيب عيني من عريب تنزلوا
على مجنب البطحا وبنوا حلالها
بنوا حلال من حلال قريبه
بنوا حلال شاق عيني دلالها
ترى خيلنا تسعين الف نعدها
وتذآر لنا خيل الهلالي مثالها
ولو اجتمع خيل الهلالي وخيلنا
فأبا زيد يرآاها ويرآا مثالها
وخان الصفيرا يوم خانت بأبوها
ولا بنت إلا فان ابوها دلالها
تشير بربط القوم واطلاق عبدهم
واثري عبيد القوم حامي ثقالها
أثر عبيد القوم زيزوم سربه
يجر القنا جر السواني احبالها
يشل الدمى شل الدلي يوم تمتلي
لا ماحها الزعاب ثم ارتكالها
سيفه تعايو عنه صناع دمشق
ولى له جمجمه راس شالها
لكن اعوى شامان في طوس روسنا
عوى ذيبة تعوي لذيب عوالها
وانا شاهد للعبد في ربع هدته
ثمانين من قومي قلايع ارجالها
هذا ولو ان العبد قد هد مثلها
على آان التراك تيتم عيالها
أثره امير ولد امير مجرب
لاهد تعطيه السبايا آفالها
ترى ما يجي عني مثل حذفة العصا
واسرع من دور الرحايا باشتغالها
ولولا بخط الرمل شيفت منيتي
بسيف ذياب قد لا بازيد زالها
هو قدم قومه وانا قدم قومي
هو فهد القناصا وانا غزالها
حذرا عن اللي آفيت القدر وجهه
لاجا جنوب الخيل صيروا شمالها
اللي قلع حدري ثمانين سابقا
آبيشات ما في نجد تلقي امثالها
واللي قلعت حدره من الخيل تسعة
والعاشرة بالسيف انا زلت حالها
إليا عقر له سابق جاه مثلها
وإليا عقر لي سابق جا مثالها
ان امهلت دنياي وادرآت هقوتي
لا ازيل الصفيراء عن حياة تنالها
مهبول يا مهبول من يأمن النسا
ومن يأمن الحرمه إليا اقفت بفالها
إليا بغت درب الردا ما يكودها
تاطاه لو انه حماقا ارجالها
ودخل الفارس ذياب بن غانم المعرآه وصار يزعج الخيل بصوته وفعله وآان يهجم على الفرسان من تحت القصر ويرعبهم وهم يتهربون منه فشاهده المسجون مرعي من الشباك وعنده الصفيراء بنت الزناتي آلهم مسجونين فطلب منها ان تعرف من هذا الفارس فقالت الصفيراء :
وقف نبي ننشدك يا شايع النبا
عن الخيل جتنا اليوم موم شليلها
قال ذياب:
ما حامي سباق غير فارس الدهما ذياب بن غانم الخيل ملحق هزيل
ولم يصدق مرعي الخبر لانه ترك ذياب صغيرا ولم تظهر فروسيته وفعله في نجد وقال للصفيراء لايمكن هو صغير وقال إسأليه مره ثانية وآانت الصفيراء تريد التأآد ايضا منه وحين رجع ذياب يطرد قومها عاودت الصفيراء سؤاله مره ثانية وقالت :
وقف نبي ننشدك يا شايع النبا
هن الخيل جتنا بالعيال شرود
فقال ذياب:
ما غير فارس الدهما ذياب بن غانم
وترى الشوف خرز والكلام يكود
وفي الحال رجع الزناتي مع جنوده من الكمين يظن ان الكلاليب اختطفت ذياب بن غانم فتلقاه الفارس المغوار ذياب بضربه فصلت رأسه بعد ان لزم قصره أياما وآان الزناتي قد قال قصيدة السابقة الشهيرة وذآر فيها رؤياه بأن المزن تمشي من الشرق وتمطر شوك نيص يسمونه البلنزا على قومه ولم يعرفوا تأويلها الا بعد وصول بني هلال وحربهم بأسنة الرماح والسيوف وبعد ان قتل ذياب الزناتي قال ابياته الشهيرة بما دار بالمعرآة وانه آاد ان يقتل من فارس من قوم الزناتي يسمى وهق وعندما سقط وقام وجد الفارس سرور بن قايد قد آفاه شرهم :
يقول الفتى الزغبي ذياب بن غانم
لي راي اقسى من حديد المبارد
ولي حربة سميتها سم ساعه
اعرضه بالكون ما آان آايد
حنا ابلينا بالخلا الفين فارس
وحنا ثلاثين ولا زاد زايد
واهل عشر منا تأدب الخيل بالقنا
آزالي شروي هشيم الوقايد
ابا زيد بايمنهم وانا من يسارهم
آما النار لا شبت ابعض الحصايد
واهل عشر منا اهملوا روس خيلهم
واهل عشر منا موآدين الشهايد
ينخون خيال بهم ماعرفته
يقولون له يا وهق يا بالعوايد
ضربني برمح تسعة ابواع طوله
وقنطاره اللي من ورى الباع زايد
ضربني وهق وانا مشيح لغيره
إليا الدرع غاد فوق متني بجايد
سديته بدسمالي وثوبي ومشلحي
ايضا ولا سده جميع السدايد
لكن طاحت الدهما وانا طحت فوقها
يا طيحة ماهي لنا بالعوايد
ولكن قامت الدهما تومي بعدته
وانا آما شن على الجو بايد
وانا رفعت راسي من بعد سدره
اليا الخيل يأدبها سرور بن قايد
على سرج قبا عندل بنت عندل
مرفعة الذرعان من خيل قايد
قل عشت يا قرم ثنا دون ربعه
بيوم به المسناد والرد آايد
وحنا عصافير وابا زيد سدره
نلوذ به عن مرهفات الحدايد
وحين رأى العلام مقتل زعيمه الزناتي قام وتزعم المعرآه ولم يقدر الفارس ابو زيد على قتله لانه قد تعاهد معه وله فضل على ابا زيد وعندما ضاق بهم البر وعجزوا ذهب ابو زيد الى عجوز طاعنه بالسن فأخذ رأيها ابا زيد في قتله رغم العهد معه قالت اعقر فرسه ويقتله غيرك لان العهد بينك وبينه وليس بينك وبين الفرس وفعلا تقدم ابا زيد الذي هو الوحيد الند للعلام ورمى الفرس وعقرها فسقط العلام من فوقها وحين سقط قال العلام:
ابا زيد بقت العهد بيني وبينك
تخون عهد الله يالغدار
قال ابا زيد:
لك الله يا العلام مانيب بايق
ولا بيننا والسابقات جوار
قال العلام:
ابا زيد جرن سبق الخيل جنني
عليها حماقا يدعون بثار
منتديات الشلالحة
قال ابا زيد:
لك الله يا العلام مانيب شيخهم
علينا آبار ومقتفين اصغار
قال العلام:
خذ السيف والدبوس مني هدية
من قبل ما اذبح يوخذن اجهار
قال ابا زيد:
اهب يا العلام ما قو باسك
لو هي بغيرك آان عقله طار
قال العلام:
والله يلوبه مدفع ما لحقتني
لورف مهرك بالجناح وطار
ولو دامت العباد تقرا مصاحف
فيوم دنا ما زودوه نهار