اعلم أرشدك الله إن الله تعالى أمر بالعدل ثم علم سبحانه وتعالى أنه ليس
كل النفوس تصلح على العدل بل تطلب الإحسان وهو فوق العدل فقال تعالى ( إن الله أمر
بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي ) الآية فلو وسع الخلائق العدل ما قرن الله به الاحسان
والعدل ميزان الله تعالى في الأرض الذي يؤخذ به للضعيف من القوى والمحق من المبطل واعلم
أن عدل الملك يوجب محبته وجوره يوجب الافتراق عنه وأفضل الأزمنة ثوابا أيام العدل وروينا
من طريق أبي نعيم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال لعمل الإمام العادل في
رعيته يوما واحدا أفضل من عمل العابد في أهله مائة عام أو خمسين عاما وروي عن النبي
أنه قال عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة وروينا في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه عن النبي أنه قال ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل والصائم حتى يفطر
ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء وعن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه أنه قال لكعب الاحبار أخبرني عن جنة عدن قال يا أمير المؤمنين لا يسكنها إلا نبي
أو صديق أو شهيد أو إمام عادل فقال عمر والله ما أنا نبي وقد صدقت رسول الله وأما الإمام
العادل فإني أرجو أن لا أجور وأما الشهادة فأني لي بها قال الحسن فجعله الله صديقا
شهيدا حكما عدلا وسأل الإسكندر حكماء أهل بابل إيما أبلغ عندكم الشجاعة أو العدل قالوا
إذا
-------------------------------------
المستطرف [ جزء 1 - صفحة 228 ]
استعملنا العدل استغنينا به عن الشجاعة ويقال عدل السلطان أنفع من خصب
الزمان وقيل إذا رغب السلطان عن العدل رغبت الرعية عن طاعته وكتب بعض عمال عمر بن عبد
العزيز رضي الله عنه يشكو إليه من خراب مدينته ويسأله مالا يرمها به فكتب إليه عمر
قد فهمت كتابك فإذا قرأت كتابي فحصن مدينتك بالعدل ونق طرقها من الظلم فإنه مرمتها
والسلام ويقال إن الحاصل من خراج سواد العراق في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي
الله عنه كان مائة ألف ألف وسبعة وثلاثين ألف ألف فلم يزل يتناقص حتى صار في زمن الحجاج
ثمانية عشر ألف ألف فلما ولي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ارتفع في السنة الأولى
إلى ثلاثين ألف ألف وفي الثانية إلى ستين ألف ألف وقيل أكثر وقال إن عشت لأبلغنه إلى
ما كان في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمات في تلك السنة ومن كلام
كسرى لا ملك إلا بالجند ولا جند إلا بالمال ولا مال إلا بالبلاد ولا بلاد إلا بالرعايا
ولا رعايا الا بالعدل
ولما مات سلمة بن سعيد كان عليه ديون للناس ولأمير المؤمنين المنصور فكتب
المنصور لعامله استوف لأمير المؤمنين حقه وفرق ما بقي بين الغرماء فلم يلتفت الى كتابه
وضرب للمنصور بسهم من المال كما ضرب لأحد الغرماء ثم كتب للمنصور إني رأيت أمير المؤمنين
كاحد الغرماء فكتب إليه المنصور ملئت الأرض بك عدلا وكان أحمد بن طولون والي مصر متحليا
بالعدل مع تجبره وسفكه للدماء وكان يجلس للمظالم وينصف المظلوم من الظالم
حكى أن ولده العباس استدعي بمغنية وهو يصطبح يوما فلقيها بعض صالحي مصر
ومعها غلام يحمل عودها فكسره فدخل العباس إليه وأخبره بذلك فأمر باحضار ذلك الرجل الصالح
فلما أحضر اليه قال أنت الذي كسرت العود قال نعم قال أفعلت لمن هو قال نعم هو لابنك
العباس قال أفما أكرمته لي قال أكرمه لك بمعصية الله عز وجل والله تعالى يقول ( والمؤمنين
والمؤمنات بعضهم أولياء
-------------------------------------
المستطرف [ جزء 1 - صفحة 229 ]
بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) ورسول الله يقول لا طاعة لمخلوق
في معصية الخالق فأطرق أحمد بن طالون عند ذلك ثم قال كل منكر رأيته فغيره وأنا من ورئك
ووقف يهودي لعبد الملك بن مروان فقال يا أمير المؤمنين إن بعض خاصتك ظلمني فانصفني
منه وأذقنى حلاوة العدل فأعرض عنه فوقف له ثانيا فلم يلتفت اليه فوقف له مرة ثالثة
وقال يا أمير المؤمنين إنا نجد في التوراة المنزلة على كليم الله موسى صلوات الله وسلامه
عليه إن الإمام لا يكون شريكا في ظلم أحد حتى يرفع إليه فاذا رفع إليه ذلك ولم يزله
فقد شاركه في الظلم والجور فلما سمع عبد الملك كلامه فزع وبعث في الحال إلى من ظلمه
فعزله وأخذ لليهودي حقه منه
وروى أن رجلا من العقلاء غصبة بعض الولاة ضيعة له فأتى إلى المنصور فقال
له أصلحك الله يا أمير المؤمنين أأذكر لك حاجتي أم اضرب لك قبلها مثلا فقال بل أضرب
المثل فقال إن الطفل الصغير إذا نابه أمر يكرهه فانما يفزع إلى أمة إذ لا يعرف غيرها
وظنا منه أن لا ناصر له غيرها فإذا ترعرع واشتد كان فرارة إلى أبيه فإذا بلغ وصار رجلا
وحدث به أمر شكاه إلى الوالي لعلمه أنه أقوى من أبيه فإذا زاد عقله شكاه الى السلطان
لعلمه أنه أقوى ممن سواه فإن لم ينصفه السلطان شكاه إلى الله تعالى لعلمه أنه أقوي
من السلطان وقد نزلت بي نازلة وليس أحد فوقك أقوى منك إلا الله تعالى فإن انصفتني والا
رفعت أمري الى الله تعالى في الموسم فإني متوجه إلى بيته وحرمه فقال المنصور بل ننصفك
وأمر أن يكتب إلى واليه برد ضيعته إليه وكان الاسكندر يقول يا عباد الله إنما إلهكم
الله الذي في السماء الذي نصر نوحا بعد حين الذي يسقيكم الغيث عند الحاجة وإليه مفزعكم
عند الكرب والله لا يبلغني أن الله تعالى أحب شيئا إلا أحببته واستعملته الى يوم أجلي
ولا أبغض شيئا الا أبغضته وهجرته إلى يوم أجلي وقد انبئت أن الله تعالى يحب العدل في
عباده ويبغض الجور من بعضهم على بعض
-------------------------------------
المستطرف [ جزء 1 - صفحة 230 ]
فويل للظالم من سيفي وسوطي ومن ظهر منه العدل من عمالي فليتكيء في مجلسي
كيف شاء وليتمن على ما شاء فلن تخطئه أمنيته والله تعالى المجازي كلا بعمله ويقال إذا
لم يعمر الملك ملكه بالانصاف خرب ملكه بالعصيان
وقيل مات بعض الأكاسرة فوجدوا له سفطا ففتح فوجد فيه حبة رمان كأكبر ما
يكون من النوى معها رقعة مكتوب فيها هذه من حب رمان عمل في اخراجه بالعدل
وقيل تظلم أهل الكوفة من واليهم فشكوه إلى المأمون فقال ما علمت في عمالي
أعدل ولا أقوم بأمر الرعية وأعود بالرفق عليهم منه فقال رجل منهم يا أمير المؤمنين
ما أحد أولى بالعدل والانصاف منك فإن كان بهذه الصفة فعلى أمير المؤمنين أن يوليه بلدا
بلدا حتى يلحق كل بلد من عدله مثل الذي لحقنا ويأخذ بقسطه منه كما أخذنا وإذا فعل ذلك
لم يصبنا منه أكثر من ثلاث سنين فضحك المأمون من قوله وعزله عنهم وقدم المنصور البصرة
قبل الخلافة فنزل بواصل بن عطاء وقال بلغني أبيات عن سليم بن يزيد العدوى في العدل
فقم بنا إليه فأشرف عليهم من غرفة فقال لواصل من هذا الذي معك قال عبد الله بن محمد
بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم فقال رحب على رحب وقرب على قرب فقال أنه
يحب أن يسمع أبياتك في العدل فقال سمعا وطاعة وأنشد يقول
( حتى متى لا نرى عدلا نسر به ... ولا نرى لولاة الحق أعوانا )
( مستمسكين بحق قائمين به ... إذا تلون أهل الجور ألوانا )
( يا للرجال لداء لا دواء له ... وقائد ذي عمى يقتاد عميانا )
-------------------------------------
المستطرف [ جزء 1 - صفحة 231 ]
فقال المنصور وددت لو أني رأيت يوم عدل ثم مت وقيل لما ولي عمر بن عبد
العزيز أخذ في رد المظالم فابتدأ بأهل بيته فاجتمعوا إلى عمة له كان يكرمها وسألوها
أن تكلمه فقال لها إن رسول الله سلك طريقا فلما قبض سلك أصحابه ذلك الطريق الذي سلكه
رسول الله فلما قضي الأمر إلى معاوية جره يمينا وشمالا وأيم الله لئن مد في عمري لاردنه
إلى ذلك الطريق الذي سلكه رسول الله وأصحابه فقالت له يا ابن أخي إني أخاف عليك منهم
يوما عصيبا فقال كل يوم أخافة دون يوم القيامة فلا أمننيه الله وقال وهب بن منبه إذا
هم الوالي بالجور أو عمل به أدخل الله النقص في أهل مملكته في الأسواق والزروع والضروع
وكل شيء وإذا هم بالخير والعدل أو عمل به أدخل الله البركة في أهل مملكته كذلك قال
الوليد بن هشام إن الرعية لتصلح بصلاح الوالي وتفسد بفسادة وقال ابن عباس رضي الله
عنهما ان ملكا من الملوك خرج يسير في مملكته متنكرا فنزل على رجل له بقرة تحلب قدر
ثلاث بقرات فتعجب الملك من ذلك وحدثته نفسه بأخذها فلما كان من الغد حلبت له النصف
مما حلبت بالامس فقال له الملك ما بال حلبها نقص أرعت في غير مرعاها بالامس فقال لا
ولكن أظن أن ملكنا رآها أو وصله خبرها فهم بأخذها فنقص لبنها فإن الملك إذا ظلم أو
هم بالظلم ذهبت البركة فتاب الملك وعاهد ربه في نفسه أن لا يأخذها ولا يحسد احدا من
الرعية فلما كان من الغد حلبت عادتها ومن المشهور بأرض المغرب أن السلطان بلغه أن امرأة
لها حديقة فيها القصب الحلو أن كل قصبة منها تعصر قدحا فعزم الملك على أخذها منها ثم
أتاها وسألها عن ذلك فقالت نعم ثم إنها عصرت قصبة فلم يخرج منها نصف قدح فقال لها أين
الذي كان يقال فقالت هو الذي بلغك إلا أن يكون السلطان قد عزم على أخذها مني فارتفعت
البركة منها فتاب الملك وأخلص لله النية وعاهد الله أن لا يأخذها منها أبدا ثم أمرها
فعصرت قصبة منها فجاءت ملء قدح
وحكى سيدي أبو بكر الطرطوشي رحمة الله في كتابه سراج
-------------------------------------
المستطرف [ جزء 1 - صفحة 232 ]
الملوك قال حدثني بعض الشيوخ ممن كان يروي الأخبار بمصر قال كان بصعيد
مصر نخلة تحمل عشرة أرادب ولم يكن في ذلك الزمان نخلة تحمل نصف ذلك فغصبها السلطان
فلم تحمل شيئا في ذلك العام ولا تمرة واحدة وقال لي شيخ من أشياخ الصعيد أعرف هذه النخلة
وقد شاهدتها وهي تحمل عشرة أرداب وستين ويبه وكان صاحبها يبيعها في سني الغلاء كل ويبه
بدينار
وحكى أيضا رحمه الله تعالى قال شهدت في الإسكندرية والصيد مطلق للرعية
السمك يطفو على الماء لكثرته وكانت الأطفال تصيده بالخرق من جانب البحر ثم حجزه الوالي
ومنع الناس من صيده فذهب السمك حتى لا يكاد يوجد إلى يومنا هذا وهكذا تتعدى سرائر الملوك
وعزائمهم ومكنون ضمائرهم إلى الرعية ان خيرا فخير وإن شرا فشر وروى أصحاب التواريخ
في كتبهم قالوا كان الناس إذا أصبحوا في زمان الحجاج يتساءلون إذا تلاقوا من قتل البارحة
ومن صلب ومن جلد ومن قطع وما أشبه ذلك وكان الوليد بن هشام صاحب ضياع واتخاذ مصانع
فكان الناس يتساءلون في زمانه عن البنيان والمصانع والضياع وشق الأنهار وغرس الأشجار
ولما ولى سليمان بن عبد الملك وكان صاحب طعام ونكاح كان الناس يتحدثون ويتساءلون في
الأطعمه الرفيعة ويتغالون في المناكح والسراري ويعمرون مجالستهم بذكر ذلك ولما ولى
عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان الناس يتساءلون كم تحفظ من القرآن وكم وردك كل
ليلة وكم يحفظ فلان وكم يختم وكم يصوم من الشهر وما أشبه ذلك فينبغي لإمام أن يكون
على طريقة الصحابه والسلف رضي الله عنهم ويقتدي بهم في الأقوال والأفعال فمن خالف ذلك
فهو لا محالة هالك وليس فوق السلطان العادل منزلة إلا نبي مرسل أو ملك مقرب وقد قيل
أنه مثله كمثل الرياح التي يرسلها الله تعالى بشرا بين يدي رحمته فيسوق بها السحاب
ويجعلها لقاحا للثمرات وروحا للعباد ولو تتبعت ما جاء في العدل والإنصاف وفضل الإمام
العادل لألفت في ذلك مجموعا جامعا لهذا المعنى ولكن اقتصرت على ما ذكرته مخافة أن يمله
الناظر ويسأمه السامع وبالله التوفيق إلى أقوم طريق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى
آله وصحبه وسلم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق