ليوم يجدّد لي موعدي، قلت للكرمل: الآن أمضي.
|
و ينشر البحر بين السماء و مدخل جرحي
|
و أذهب في أفّق ينحني فوقنا، و يصلّي
|
لنا ،أو يكسّرنا. هذه الأرض تشبهنا
|
حين نأتي إليها. و تشبهنا حين نذهب عنها.
|
تركت ورائي ملامحها، و اسمها كان يمشي أمامي
|
يسمي ملامحها و انفجاري. تركت سرير الولادة
|
تركت ضريحا معدا لأي كلام..
|
تركت التي أوجعتها ذراعي. تركت التي أوجعتني يداها.
|
تفتّش عن عاشق بعد خمس دقائق من هجرتي
|
ليوم يجدّد لي موعدي، قلت للكرمل: الآن أمضي.
|
تمرّ الرصاصة فوق جبيني، و تجمعني مثلما تجمع القبلة
|
الشفتين
|
و تولد رمّانة في الضخور التي دجّنتني، و تجعلني عاشقين
|
بعيدا.. بعيدا.
|
و ينتشر البحر بين السماء و مدخل جرحي
|
تخيّلت أنك متّكئي
|
و سئمت العلاقة بين المسامير و الخشبه
|
و حين ترجلت عن قمّة الرمح و الجرح أمسكت شيئا
|
فكان حذاء الحرس
|
يكلمني هابطا هابطا..
|
منذ ذاك النهار المبكر أبحث عن موطىء القدمين
|
و أتبع نهرا، و لا أتبع الموج
|
هل أسترد زفيري!.
|
يقاسمني عسكريّ جراحي
|
و يحرسها كي ينال وساما
|
و يمنعني من مواصلة الموت، يأخذ نصف جراحي
|
و يترك نصفا لأمن الأمم.
|
يهزّ أصابع كفيّ
|
فتسقط ذكرى.
|
رصاص قديم.
|
صنوبرة.
|
ثمر فاسد.
|
تهمة.
|
أسئلة
|
يفتّش كفّي ثانية، فيصادر حيفا التي هرّبت سنبلة
|
و يا أيّها الكرمل،
|
الآن تقرع أجراس كل الكنائس
|
و تعلن أنّ مماتي المؤقّت لا ينتهي دائما، أو ينتهي مرّة،
|
أيّها الكرمل، الآن تأتي إليك العصافير من ورق
|
كنت لا فرق بين الحصى و العصافير .
|
و الآن بعث المسيح يؤجّل ثانية
|
أيّها الكرمل، الآن تبدأ عطلة كل المدارس
|
و تنشدني الآن فيروز
|
و الآن نأخذ أنبوبة من حبوب تسيل الدموع ،
|
فنبكي على جبل طائر
|
أيّها الكرمل، الآن يجعلني ضابط آخر عرضة للخلود !
|
بعدنا عن الشجر. البحر فاصلة بيننا
|
و ها نحن بين الطهارة و الإثم شيئان يلتحمان و ينفصلان
|
كأن الأحبّة دائرة من طباشير
|
قابلة للفناء و قابلة للبقاء.
|
و ها نحن نحمل ميلادنا مثلما تحمل المرأة العاقر الحلما
|
و ها أنت مئذنة الله حينا
|
و قبّعة لجنود المظلاّت حينا
|
و ها أنت يا كرملي كلّما
|
جرّدتني الحروب من الأرض أعطيتني حلما.
|
و ها أنا أعلن أن الزمان تغيّر:
|
كانت صنوبرة تجعل الله أقرب
|
و كانت صنوبرة تجعل الجرح كوكب
|
و كانت صنوبرة تنجب الأنبياء
|
و تجعلني خادما فيهم
|
أيّها الكرمل المتشعب في كل جسمي
|
لماذا تحملني كل هذي المسافات
|
و البحر فاصلة بيننا؟
|
أوقفتني قتاة معبّأة بالدوالي
|
و كانت تغنّي على طرق الشام:
|
يا ليت دالية واحدة
|
لم تسافر معي.. فأعود إليها
|
قبّلتني فتاة لأني لفظت اسم كرملها في مكبرّ صوت،
|
فجاءت إلى فندقي لتقول"أحبّك"، و التجأت
|
لاسمه في ذراعي
|
_و ماذا يقول الجبل؟
|
بكى قصب في الغدير
|
و كان الغدير مرايا
|
فلم ينطبق الجبل
|
_و هل رحلوا؟
|
تصببت الريح من جبهتي
|
فمسحت الرياح كما تمسحين العرق ..
|
تذكرت أني نهضت صباحا
|
و كانت شهادة ميلاد أمي قابلة للنقاش
|
و كانت أناشيد أهلي العرب
|
ترتب أمتعة اللاجئين .
|
و تبني جسور العبور .
|
و صارت فلسطين أقرب .
|
فاختلف اللاجئون على موسم القمح و البرتقال
|
أوقفتني فتاة معبأة بالدوالي
|
و كانت تغّي على طرق الشام
|
ياليت دالية واحدة
|
لم تسافر معي.. فأعود إليها
|
و سافرت _
|
يا أيّها الكرمل .البحر. و العشب. و النار
|
يا ضخرة الفرح العائمة
|
و صمّمت جلدي قميصا لأخفي آثار طعنتك النادمة
|
فأنكرني العسكريّ
|
و كنت على باب أمي هناك أنادي دمشق
|
فتسمع نبض دمي حفيف صنوبرك المبتعد
|
و تغسلني دجلة الخير حين أموت من الوجد شوقا إلى
|
أرض بابل .
|
و ها أنذا الآن
|
حين دخلت إلى الجامع الأموي تساءل أهل دمشق:
|
من العاشق المغترب؟
|
و كانت مياه الفرات و نافورة النيل تحذف آثار زنزانتي
|
عن ضلوعي
|
و حين وقفت على النيل يوما و شاطيء دجلة يوما
|
تساءل كل الذين رأوا دهشتي
|
من السائح المغترب ؟!
|
تركت الحبيبة _لم أنسها_ في غروب الشجر
|
تطرّز من زبد البحر منديلها و ضمادي
|
توهمت أنّ السموات أبعد من يدها عن جبيني
|
و أوهمّتها أن قلبي يصل
|
و أن يدي تنتقل
|
إلى جثّة ضائعة
|
تركت الحبيبة _لم أنسها_ عند سفح الجبل
|
تعير العصافير ألوانها
|
و كانت يداها ينابيع من كل لون و ما اشتق منه
|
و لكنني كنت أشعر أن الينابيع كانت معرّضة للجفاف
|
و أنّ فمي ينتقل
|
إلى لغة ثانية
|
تركت الحبيبة لم أنسها
|
تركت الحبيبة
|
تركت ..
|
أحبّ البلاد التي سأحب
|
أحب النساء اللواتي أحب
|
و لكن غصنا من السرو في الكرمل الملتهب
|
يعادل كل خصور النساء
|
و كلّ العواصم
|
أحبّ البحار التي سأحبّ
|
أحبّ الحقول التي سأحبّ
|
و لكنّ قطرة ماء على ريش قبرّة في حجارة حيفا
|
تعادل كل البحار
|
و تغلسني من ذنوبي التي سوف أرتكب
|
أدخلوني إلى الجنه الضائعة
|
سأطلق صرخة ناظم حكمت
|
آه.. يا وطني !..
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق