الليل يطبق مرة أخرى، فتشربه المدينه
|
والعابرون، إلى القرارة... مثل أغنية حزينه.
|
وتفتحت كأزاهر الدفلي، مصابيح الطريق،
|
كعيون ""ميدوزا""، تحجر كل قلب الضغينه،
|
وكأنها نذر تبشر أهل ""بابل"" بالحريق
|
من أي غاب جاء هذا الليل؟ من أي الكهوف
|
من أي وجر للذئاب؟
|
من أي عش في المقابر دف أسفع كالغراب؟
|
""قابيل"" أخف دم الجريمة بالأزاهر والشفوف
|
وبما تشاء من العطور أو ابتسامات النساء
|
ومن المتاجر والمقاهي وهي تنبض بالضياء
|
عمياء كالخفاش في وضح النهار، هي المدينة،
|
والليل زاد لها عماها.
|
والعابرون:
|
الأضلع المتقوّسات على المخاوف والظنون،
|
والأعين التعبى تفتش عن خيال في سواها
|
وتعد آنية تلألأ في حوانيت الخمور:
|
موتى تخاف من النشور
|
قالوا سنهرب، ثم لاذوا بالقبور من القبور!
|
أحفاد ""أوديب"" الضرير ووارثوه المبصورن.
|
جوكست أرملة كأمس، وباب ""طيبة"" ما يزال
|
يلقي ""أبو الهول"" الرهيب عليه، من رعب ظلال
|
والموت يلهث في سؤال
|
باق كما كان السؤال، ومات معناه القديم
|
من طول ما اهترأ الجواب على الشفاه.
|
وما الجواب؟
|
""أنا"" قال بعض العابرين...
|
وانسلّت الأضواء من باب تثاءب كالجحيم
|
يبحثن في النيران عن قطرات ماء... عن رشاش.
|
لا تنقلن خطاك فالمبغى ""علائي"" الأديم:
|
أبناؤك الصرعى تراب تحت نعلك مستباح،
|
يتضاحكون ويعولون.
|
أو يهمسون بما جناه أب يبرّؤه الصباح
|
مما جناه، ويتبعون صدى خطاك إلى السكون
|
الحارس المكدود يعبر متعبات،
|
النون في أحداقهن يرف كالطير السجين،
|
وعلى الشفاه أو الجبين
|
تترنح البسمات والأصباغ ثكلى، باكيات،
|
متعثرات بالعيون وبالخطى والقهقهات،
|
أوصال جندي قتيل كللوها بالزهور،
|
وكأنها درج إلى الشهوات، تزحمه الثغور
|
حتى تهدم أو يكاد. سوى بقايا من صخور.
|
جيف تستّر بالطلاء، يكاد ينكر من رآها
|
أن الطفولة فجّرتها ذات يوم بالضياء
|
كالجدول الثرثار - أو أن الصباح رأى خطاها
|
في غير هذا الغار تضحك للنسائم والسماء،
|
ويكاد ينكر أن شقا لاح من خلل الطلاء
|
قد كان - حتى قبل أعوام من الدم والخطيئة -
|
ثغرا يكركر، أو يثرثر بالأقاصيص البريئه
|
لأب يعود بما استطاع من الهدايا في المساء:
|
لأب يقبل وجه طفلته الندي أو الجبين
|
أو ساعدين كفرختين من الحمائم في النقاء.
|
ما كان يعلم أن ألف فم كبئر دون ماء
|
ستمص من ذاك المحيا كل ماء للحياء
|
حتى يجف على العظام - وأن عارا كالوباء
|
يصم الجباه فليس تغسل منه إلا بالدماء
|
سيحل من ذاك الجبين به ويلحق بالبنين -
|
والساعدين الأبيضين، كما تنور في السهول
|
تفاحة عذراء، سوف يطوقان مع السنين
|
كالحيتين، خصور آلاف الرجال المتعبين
|
الخارجين خروج آدم، من نعيم في الحقول
|
تفاحة الدم والرغيف وجرعتان من الكحول
|
والحية الرقطاء ظل من سياط الظالمين
|
أتريد من هذا الحطام الآدمي المستباح
|
دفء الربيع وفرحة الحمل الغرير مع الصباح
|
ودواء ما تلقاه من سأم وذل واكتداح
|
المال، شيطان المدينه
|
إبر تسل بها خيوط من وشائع في الحنايا
|
وتظل تنسج، بينهن وبين حشد العابرين،
|
شيئا كبيت العنكبوت يخضه الحقد الدفين:
|
حقد سيعصف بالرجال
|
والأخريات، النائمات هناك في كنف الرجال
|
والساهرات على المهود وفي بيوت الأقربين
|
حول الصلاء بلا اطراح للثياب ولا اغتسال
|
في الزمهرير، ودون عد لليالى والسنين!
|
ويمر عملاق يبيع الطير، معطفه الطويل
|
حيران تصطفق الرياح بجانبيه، وقبضتاه
|
تتراوحان: فللرداء يد وللعبء الثقيل
|
يد، وأعناق الطيور مرنحات من خطاه
|
تدمي كأثداء العجائز يوم قطعها الغزاه
|
خطواته العجلي، وصرخته الطويلة ""يا طيور
|
هذي الطيور، فمن يقول تعال...""
|
أفزعها صداه
|
وتحسسته كأن باصرة تهم ولا تدور
|
في الراحتين وفي الأنامل وهي تعثر بالطيور،
|
وتوسلته: ""فدى لعينك - خلني. بيدي أراها"".
|
ويكاد يهتك ما يغلف ناظريها من عماها
|
قلب تحرق في المحاجر واشرأب يريد نور!
|
وتمس أجنحة مرقطة فتنشرها يداها،
|
وتظل تذكر - وهي تمسحهن - أجنحة سواها
|
كانت تراها وهي تخفق... ملء عينيها تراها:
|
سرب من البط المهاجر، يستحث إلى الجنوب
|
أعناقه الجذلى... تكاد تزيد من صمت الغروب
|
صيحاته المتقطعات، وتضمحل على السهوب
|
بين الضباب، ويهمس البريد بالرجع الكئيب
|
ويرج وشوشة السكون
|
طلق... فيصمت كل شيء... ثم يلغط في جنون.
|
هي بطة فلم انتفضت؟ وما عساها أن تكون؟
|
ولعل صائدها أبوك، فإن يكن فستشبعون.
|
وتخف راكضة حيال النهر كي تلقى أباها:
|
هو خلف ذاك التل يحصد. سوف يغضب إن رآها.
|
مر النهار ولم تعنه... وليس من عون سواها
|
وتظل ترقى التل وهي تكاد تكفر من أساها.
|
يا ذكريات علام جئت على العمى وعلى السهاد؟
|
لا تمهليها فالعذاب بأن تمري في اتئاد.
|
قصي عليها كيف مات وقد تضرّج بالدماء
|
هو والسنابل والمساء -
|
وعيون فلاحين ترتجف المذلّة في كواها
|
والغمغمات: ""رآه يسرق""... ""واختلاجات الشفاه
|
يخزين ميتها، فتصرخ يا إلهي، يا إلهي
|
لو أن غير ""الشيخ""، وانكفأت تشد على القتيل
|
شفتين تنتقمان منه أسى وحبا والتياعا
|
وكأن وسوسة السنابل والجداول والنخيل
|
أصداء موتى يهمسون رآه يسرق في الحقول
|
حيث البيادر تفصد الموتى فتزداد اتساعا
|
وتحس بالدم وهو ينزف من مكان في عماها
|
كالماء من خشب السفينة، والصديد من القبور،
|
وبأدمع من مقلتيها كالنمال على الصخور
|
أو مثل حبات الرمال مبعثرات في عماها
|
يهوين منه إلى قرارة قلبها آها فآها.
|
ومن الملوم وتلك أقدار كتبن على الجبين؟
|
حتم عليها أن تعيش بعرضها، وعلى سواها
|
من هؤلاء البائسات وشاء رب العالمين
|
ألا يكون سوى أبيها - بين آلاف - أباها
|
وقضى عليه بأن يجوع
|
والقمح ينضج في الحقول من الصباح إلى المساء
|
وبأن يلص فيقتلوه... (وتشرأب إلى السماء
|
كالمستغيثة وهي تبكي في الظلام بلا دموع)
|
والله - عز الله - شاء
|
أن تقذف المدن البعيدة والبحار إلى العراق
|
آلاف آلاف الجنود ليستبيحوا، في زقاق
|
دون الأزقة أجمعين
|
ذاك اسم جارتها الجديد، فليتها كانت تراها
|
هل تستحق اسما كهذا: ياسمين وياسمين؟
|
يا ليت حمالا تزوجها يعود مع المساء
|
لكن بائسة سواها حدثتها منذ حين
|
عن بيتها وعن ابنتيها، وهي تشهق بالبكاء
|
كالغيمة السوداء تنذر بالمجاعة والرزايا،
|
أزراره المتألقات على مغالق كل باب
|
مقل الذئاب الجائعات ترود غابا بعد غاب
|
وخطاه مطرقة تسمر، في الظلام، على البغايا
|
أبوابهن، إلى الصباح - فلا تجاهر بالخطايا
|
ويظل يخفرهن من شبع وينثر في الرياح
|
أغنية تصف السنابل والأزاهر والصبايا،
|
وتظل تنتظر الصباح وساعديه مع الصباح
|
تصغى - وتحتضن ابنتيها في الظلام - إلى النباح
|
وإلى الريح تئن كالموتى وتعول كالسبايا
|
وتجمع الأشباح من حفر الخرائب والكهوف
|
ومن المقابر والصحاري بالمئات وبالألوف..
|
فتقف من فزع وتحجب مقلتيها بالغطاء،
|
ويعود والغبش الحزين يرش بالطل المضاء
|
سعف النخيل... يعود من سهر يئن ومن عياء
|
- كالغيمة اعتصرت قواها في القفار، وترتجيها
|
عبر التلال قوي تجوع - لكي ينام إلى المساء:
|
عيش أشقّ من المنيّة، وانتصار كالفناء
|
وطوى يعب من الدماء وسمّ أفعى في الدماء
|
وعيون زان يشتهيها، كالجحيم يشعّ فيها
|
سخر وشوق واحتقار، لاحقتها كالوباء
|
والمال يهمس أشتريك وأشتريك فيشتريها
|
يا ليتها إذن انتهى أجل بها فطوى أساها!
|
لو أستطيع قتلت نفسي.. همسة خنقت صداها
|
أخرى توسوس: والجحيم؟ أتبصرين على لظاها؟
|
وإذا اكفهر وضاق لحدك، ثم ضاق، إلى القرار
|
حتى تفجر من أصابعك الحليب رشاش نار
|
وتساءل المكان فيم قتلت نفسك يا أثيمه؟
|
وتخطفاك إلى السعير تكفرين عن الجريمه.
|
أفتصرخين أبي فينفض راحتيه من الغبار
|
ويخف نحوك وهو يهتف قد أتيتك يا سليمه؟
|
حتى اسمها فقدته واستترت بآخر مستعار
|
هي - منذ أن عميت - ""صباح""...
|
فأي سخرية مريره!
|
أين الصباح من الظلام تعيش فيه بلا نهار
|
وبلا كواكب أو شموع أو كوى وبدون نار؟
|
أو بعد ذلك ترهبين لقاء ربك أو سعيره؟
|
القبر أهون من دجاك دجى وأرفق، يا ضريره
|
يا مستباحة كالفريسة في عراء يا أسيره
|
تتلفتين إلى الدروب ولا سبيل إلى الفرار؟
|
وتحس بالأسف الكظيم لنفسها: لم تستباح؟
|
ألهر نام على الأريكة قربها... لم تستباح؟
|
شبعان أغفى، وهي جائعة تلم من الرياح
|
أصداء قهقهة السكارى في الأزقة، والنباح
|
وتعد وقع خطى هنا وهناك: ها هو
|
هو ذا يجيء - وتشرئبّ، وكاد يلمس ... ثم راح
|
وتدقّ في أحد المنازل ساعة... لم تستباح؟
|
الوقت آذن بانتهاء والزبائن يرحلون.
|
كالدرب تذرعه القوافل والكلاب إلى الصباح؟
|
الجوع ينخر في حشاها، والسكارى يرحلون،
|
مروا عليها في المساء وفي العشية ينسجون
|
حلما لها هي والمنون:
|
عصبات مهجتها سداه وكل عوق في العيون،
|
والآن عادوا ينقضون -
|
خيطا فخيطا من قرارة قلبها ومن الجراح -
|
ما ليس بالحلم الذي نسجوا ما لا يدركون ...
|
شيئا هو الحلم الذي نسجوا وما لا يعرفون،
|
هو منه أكثر: كالحفيف من الخمائل والرياح،
|
والشعر من وزن وقافية ومعنى، والصباح -
|
من شمسه الوضاء... وانصرفواسكارى يضحكون!
|
ستعيش للثأر الرهيب
|
والداء في دمها وفي فمها. ستنفث من رداها
|
في كل عرق من عروق رجالها شبحا من الدم واللــهيب
|
شبحا تخطف مقلتيها أمس، من رجل أتاها
|
سترده هي للرجال، بأنهم قتلوا أباها
|
وتلقفوها يعبثون بها وما رحموا صباها،
|
لم يبتغوها للزواج لأنها امرأة فقيره،
|
واستدرجوها بالوعود لأنها كانت غريره،
|
وتهامس المتقولون فثار أبناء العشيره
|
متعطشين - على المفارق والدروب - إلى دماها.
|
وكأن موجة حقدها ورؤى أساها.
|
كانت تقرب من بصيرة لبها صورا علاها
|
صدأ المدينة وهي ترقد في القرارة من عماها:
|
كل الرجال؟ وأهل قريتها؟ أليسوا طيبين؟
|
كانوا جياعا - مثلها هي أو أبيها - بائسين،
|
هم مثلها - وهم الرجال - ومثل آلاف البغايا
|
بالخبز والأطمار يؤتجرون، والجسد المهين
|
هو كل ما يتملكون، هم الخطاة بلا خطايا
|
ليس الذين تغصبوها من سلالة هؤلاء:
|
كانوا مقطبة الجباه من الصخور
|
ثمتص من فزع الضحايا زهوها ومن الدماء
|
متطلعين إلى البرايا كالصواعق من علاء!
|
وتحس، في دمها، كآبة كل أمطار الشتاء
|
من خفق أقدام السكارى، كالأسير وراء سور
|
يصغي إلى قرع الطبول يموت في الشفق المضاء.
|
هي والبغايا خلف سور، والسكارى خلف سور،
|
دميت أصابعهن: تحفر والحجارة لا تلين،
|
والسور يمضغهن ثم يقيئهن ركام طين:
|
وطلول مقبرة تضم رفات ""هابيل"" الجنين!
|
سور كهذان حدثوها عنه في قصص الطفوله:
|
""يأجوج"" يغرز فيه، من حنق أظافره الطويله
|
ويعض جندله الأصم، وكف ""مأجوج"" الثقيله
|
تهوي، كأعنف ما تكون على جلامده الضخام.
|
والسور باق لا يثل... وسوف يبقي ألف عام،
|
الطفل شاب وسورها هي ما يزال كما رآه
|
من قبل يأجوج البرايا توأم هو للسعير!
|
لص الحجارة من منازل في السهول وفي الجبال
|
يتواثب الأطفال في غرفاتها ويكركرون...
|
والأمهات يلدن والآباء للغد يبسمون،
|
لم يبق من حجر عليها فهي ريح أو خيال.
|
وأدار من خطم البلاد رحى، وساط من البطون
|
ما ترتعيه رحاه من لحم الأجنة والعظام،
|
وكشاطئين من النجوم على خليج من ظلام
|
يتحرقان ولا لقاء ويخمدان سوى ركام -
|
شق الرجال عن النساء سلالتين من الأنام
|
تتلاقيان مع الظلام وتفصلان مع الشروق:
|
لو يقطعون الليل بحثا والنهار - على سواها
|
في حسنها هي؟ في غضارة ناهديها أو صباها
|
وبسعرها هي ؟ أي شيء غير هذا يبتغون؟
|
عمياء أنت وحظك المنكود أعمى يا سليمه.
|
وتلوب أغنية قديمه
|
في نفسها وصدى يوشوش: يا سليمه، سليمه
|
نامت عيون الناس. آه... فمن لقلبي كي ينيمه؟
|
ويل الرجال الأغبياء، وويلها هي، من عماها!
|
لم أصبحوا يتجنبون لقاءها؟
|
عيونها، فيخلفوها وحدها إذ يعلمون
|
بأنها عمياء؟ فيم يكابرون ومقلتاها
|
أدري وتعرف أي شيء في البغايا يشتهون
|
بنظرة قمراء تغصبها من الروح الكسيره
|
لترش أفئدة الرجال بها، وكانوا يلهثون
|
في وجهها المأجور، أبخرة الخمور، ويصرخون
|
كالرعد في ليل الشتاء
|
ولعل غيره ""ياسمين"" وحقدها سبب البلاء
|
فهي التي تضع الطلاء لها وتمسح بالذرور
|
وجها تطفأت النواظر فيه....
|
كيف هو الطلاء؟
|
وكيف أبدو؟
|
- وردة ... قمر... ضياء!
|
زور.. وكل الخلق زور،
|
والكون مين وافتراء
|
لو تبصر المرآة - لمحة مقلتيها - لو تراها
|
- لمح النيازك - ثم تغرق من جديد في عماها!
|
برق ويطفأ... ثم تحكم فرقها بيد، وفاها
|
بيد، وترسم بالطلاء على الشفاه لها شفاها
|
شفتاك عارية وخدك ليس خدك يا سليمه،
|
ماذا تخلف منك فيك سوى الجراحات القديمه؟
|
وتضم زهرة قلبها العطشى على ذكرى أليمه:
|
تلك المعابثة اللعوب... كأنها امرأة سواها!
|
كالجدولين تخوض ماءهما الكواكب - مقلتاها،
|
والشعر يلهث بالرغائب والطراوة والعبير
|
وبمثل أضواء الطريق نعسن في ليل مطير،
|
تقتات بالعسل النقي وترتدي كسل الحرير.
|
ليت النجوم تخر كالفحم المطفأ والسماء
|
ركام قار أو رماد، والعواصف والسيول
|
تدك راسية الجبال ولا تخلف في المدينة من بناء!
|
أن يعجز الإنسان عن أن يستجير من الشقاء
|
حتى بوهم أو برؤيا، أن عيش بلا رجاء...
|
أو ليس ذاك هو الجحيم؟ أليس عدلا أن يزول؟
|
شبع الذباب من القمامة في المدينة، والخيول
|
سرحن من عرباتهن إلى الحظائر والحقول،
|
والناس ناموا -
|
هذا الذي عرضته كالسلع القديمة: كالحذاء،
|
أو كالجرار الباليات، كأسطوانات الغناء...
|
هذا الذي يأبي عليها مشتر أن يشتريه
|
قد كان عرضا - يوم كان - ككل أعراض النساء!
|
كان الفضاء يضيق عن سعة، وترتخص الدماء
|
إن رنق النظر الأثيم عليه. كان هو الإباء
|
والعزة القعساء والشرف الرفيع. فشاهديه
|
يا أعين الظلماء، وامتلئي بغيظك وارجميه
|
بشواظ عارك واحتقارك يا عيون الأغبياء!
|
للموت جوعا، بعد موتي - ميتة الأحياء - عارا.
|
لا تقلقوا.. فعماي ليس مهابة لي أو وقارا.
|
مازلت أعرف كيف أرعش ضحكتي خلل الرداء
|
كالقمح لونك يا ابنة العرب،
|
كالفجر بين عرائش العنب
|
أو كالفرات، على ملامحه
|
دعة الثرى وضراوة الذهب.
|
عربية أنا: أمتى دمها
|
خير الدماء... كما يقول أبي.
|
تجري دماء الفاتحين. فلوثوها، يا رجال
|
أواه من جنس الرجال... فأمس عاث بها الجنود
|
الزاحفون من البحار كما يفور قطيع دود
|
يا ليت للموتى عيونا من هباء في الهواء
|
ترى شقائي
|
إلا العفاة المفلسين.
|
أنا زهرة المستنقعات، أعب من وحل وطين
|
وأشع لون ضحى...
|
وذكرا بجعجعة السنين
|
سعالها. ذهب الشباب!!
|
ذهب الشباب!! فشيعيه مع السنين الأربعين
|
ومع الرجال العابرين حيال بابك هازئين.
|
وأتي المشيب يلف روحك بالكآبة والضباب،
|
فاستقبليه على الرصيف بلا طعام أو ثياب،
|
يا ليتك المصباح يخفق ضوءه القلق الحزين
|
في ليل مخدعك الطويل، وليت أنك تحرقين
|
دما يجف فتشترين
|
سواه: كالمصباح والزيت الذي تستأجرين.
|
عشرون عاما قد مضين، وشبت أنت، وما يزال
|
يذرذر الأضواء في مقل الرجال.
|
لو كنت تدخرين أجر سناه ذاك على السنين
|
أثريت..
|
ها هو ذا يضيء فأي شيء تملكين؟
|
ويح العراق! أكان عدلا فيه أنك تدفعين
|
سهاد مقتلك الضريره
|
ثمنا لملء يديك زيتا من منابعه الغزيره؟
|
كي يثمر المصباح بالنور الذي لا تبصرين؟
|
عشرون عاما قد مضين، وأنت غرثى تأكلين
|
بنيك من سغب، وظمأى تشربين
|
حليب ثديك وهو ينزف من خياشيم الجنين!
|
وكزارع له البذور
|
وراح يقتلع الجذور
|
من جوعه، وأتى الربيع فما تفتحت الزهور
|
ولا تنفست السنابل فيه...
|
ليس سوى الصخور
|
سوى الرمال، سوى الفلاه -
|
خنت الحياة بغير علمك، في اكتداحك للحياه!
|
كم رد موتك عنك موت بنيك. إنك تقطعين
|
حبل الحياة لتنقضيه وتضفري حبلا سواه،
|
حبلا به تتعلقين على الحياة: تضاجعين
|
ولا ثمار سوى الدموع، وتأكلين،
|
وتسهرين ولا عيون، وتصرخين ولا شفاه،
|
وغدا. وأمس ... وألف أمس - كأنما مسح الزمان
|
حدود ما لك فيه من ماض وآت
|
ثم دار، فلا حدود
|
ما بين ليلك والنهار، وليس، ثم، سوى الوجود
|
سوى الظلام، ووطء أجساد الزبائن، والنقود،
|
ولا زمان، سوى الأريكة والسرير، ولا مكان!
|
لم تسحبين ليالى السأم المسهدة الرتيبه؟
|
ما العمر؟ ما الأيام؟ عندك، ما الشهور؟ وما
|
السنين؟
|
ماتت ""رجاء"" فلا رجاء ثكلت زهرتك الحبيبه!
|
بالأمس كنت إذا حسبت فعمرها هي تحسبين.
|
كانت عزاءك في المصيبه،
|
وربيع قفرتك الجديبه.
|
كانت نقاءك في الفجور، ونسمة لك في الهجير،
|
وخلاصك الموعود، والغبش الالهي الكبير!
|
ما كان حكمه أن تجيء إلى الوجود وأن تموت؟
|
ألتشرب اللبن المرنق بالخطيئة واللعاب:
|
أو شال ما تركته في ثدييك أشداق الذئاب؟
|
مات الضجيج وأنت، بعد، على انتظارك
|
تتنصتين، فتسمعين
|
رنين أقفال الحديد يموت، في سأم، صداه:
|
الباب أوصد
|
ذاك ليل مر...
|
فانتظري سواه.
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق