أية سعادة نشعر بها عندما ننظر من أعلى إلى السفن في البحر كأنها مرآة!! لكن
الصغير الذي اسمه "ين " شعر بتلك السعادة ، وهو على قمة الجبل.
كان "ين" الصغير بلا والدين ، لهذا ذهب مع جده ليعيش في ذلك الكوخ
الصغير في الجبل، وسط حقول الأرز البراقة كالذهب. وهناك، كان يتمتع بالهواء
النقي ، وبالشمس وبالحرية مثل الطيور فهناك يمكنه الركض واللعب بسعادة ويقول :
" حقا يا لروعة العيش في ذلك الريف الهادئ حيث يعم السلام ! " .
كانت القرية الصغيرة تقبع في أسفل الجبل ، وتمتد على طوال الشاطئ قبالة البحر
المتوهج من السماء .
والصغير "ين" كان يرى الأشياء صغيرة جداً ، كأن بعضها نمل كبير والآخر
نمل صغير، أما الشيء الوحيد الذي كان بين الجبل والبحر فقط فهو حزام من التراب ،
حيث أقام الناس عليه أكواخهم وبيوتهم ، بينما كانت الحقول المزروعة تمتد على طول
سفوح الجبل ،حيث كان يعيش الصغير ين إلى كنف جده ، أمام مساحات حقول الأرز.والتي
كان الصغير ين يعشقها.
كان "ين " جاهزاً على الدوام للمساعدة في العمل ، فيفتح السواقي للري
ولا يوجد أحد مثله في إعطاء الحبوب للعصافير أثناء الحصاد .
كان "ين " يشعر بالسعادة لأن جده كان يحبه كثيراً ، فذلك العجوز القوي
والرصين كان أفضل الرجال ، وهما يعيشان في الكوخ الصغير اللطيف والنظيف ، فكان
"ين" على يقين أن الأطفال الآخرين كانوا سيحسدونه على ذلك.
في يوم من أيام السنابل الصفراء التي تضيىء كالشمس نظر العجوز إلى البعيد إلى
أفق البحر بنظرات ثابتة ، لكنها امتلأت بالمفاجأة.
كان نوع من الغيوم الضخمة السوداء ترتفع في الأفق ،كما لو أن الحياة قد تمردت ضد
السماء .
تابع العجوز بنظراته الثابتة، وفجأة عاد إلى البيت وهو يصرخ:
" ين !! ين!! احضر غصنا مشتعلا بالنار"!!
لكن الصغير "ين" لم يفهم مُرادَ جدَّه إلا انه أطاعه في الحال ،وخرج
يركض وفي يده الغصن المشتعل .
كان العجوز قد أخذ غصنا ثان ، وركض باتجاه حقول الأرز الأكثر قربا منه ، يتبعه
"ين" مذعوراً يحكي مع نفسه: هل هذا معقول؟وسرعان ما انفجع ين عندما
رأى جده يلقي بالغصن المشتعل إلى حقول الرز فصرخ ين:
ماذا تفعل يا جدي؟ ماذا تريد أن تفعل؟
فرد العجوز : هيا بسرعة ! بسرعة يا "ين" ! عجّل واقذف بالنار على
الحقول!!!
بقي " ين " متسمرا في مكانه. ظنّ أن جدّه قد فقد صوابه بعد أن امتلأ
كل جسمه بالوحل.
تذكر "ين" أنّ الطفل الياباني يطيع دائماً ، فقذف بالشعلة بين الوحل
والطين.
في البداية كان هناك وميض بطيىء ، ثم تراجعت ، فاتسعت رقعة النار بألسنتها
الحمراء ، وتحولت حقول الرز إلى محرقة حقيقية ، حتى بدا الجبل وكأنه يتمدد نحو
السماء بأعمدة من الدخان.
ومن هناك من الأسفل كان سكان القرية يشاهدون حقولهم وهي تحترق فبدأوا يطلقون
صرخات الغضب و ركضوا ملتاعين يتسلقون الدروب المتعرجة للجبل يتسلقون حتى خارت
قواهم ، ولم يبق أحد في الخلف ، حتى النساء تسلقن الجبل وهن يضعن أطفالهن على
ظهورهن .
وعندما وصلوا ورأوا حقول الرز مخربة أحسوا بالمهانة وبدأوا يصرخون بغضب شديد:
من كان هذا؟ من هو الذي أضرم النار؟
تقدم الناطور العجوز نحو الرجال وبصوت رصين قال:
" أنا " .
فبدأ " ين " يبكي ..
أحاطت بهم مجموعة تسيطر عليها حالة الهيجان وهم يصرخون: لماذا فعلت ذلك؟ لماذا؟
عاد العجوز إلى حالة الصرامة وأشار بيده نحو الأفق وقال لهم:فلتنظروا إلى هناك
!!
قبل بضع ساعات كان سطح ماء البحر مستوياً كمرآة ، لكنه الآن يتغير ،يرفع الماء
كجدار من الأشباح المرعبة باتجاه السماء ، كانت موجة غامقة وعاتية تتقدم من
التخوم ، كأنها تهدد وتتوعد ، فبدت لحظات الرعب والقلوب تخفق بقوة ، ولم تبق
صرخة في الحلوق ، فلقد تقدم جدار الماء إلى التربة بهدير صاخب ، اجتاز الشاطئ
يغزو كل شيء ، ويخرب كل شيء ، كانت على شكل صاعقة ستنفجر ضد الجبل وقحة وغاضبة .
بدأ البحر يتراجع بهدير أخرس ، فبدت الأرض معصوفة و منكوثة فالقرى الصغيرة اختفت
بشكل ماحق وبائس بسبب تلك الموجة الجبارة .
نظر العجوز وهو ممتلئ بالسعادة إلى جميع السكان الذين يقفون في قمة الجبل وقد
نجوا.
لقد أنقذهم بفعلته من غزوة البحر..
|