ابحث عن شاعر او قصيدة اوقصة

قصيدة : أهواء..للشاعر بدر شاكر السياب



أطلي على طرفي الدامعخيالا من الكوكب الساطع
ظلا من الأغصن الحالماتعلى ضفة الجدول الوادع
وطوفي أناشيد في خاطرييناغين من حبّي الضائع
يفجّرن من قلبي المستفيضويقطرن في قلبي السامع
******
لعينيك للكوكبين اللذينيصبان في ناظريّ الضياء
لنبعين، كالدهر، لا ينضبانولا يسقيان الحيارى الظماء
لعينيك ينثال بالأغنياتفؤاد أطال انثيال الدماء
يودّ، إذا ما دعاك اللسانعلى البعد لو ذاب فيه النداء
******
يطول انتظاري، لعلي أراكلعلي، ألاقيك بين البشر
سألقاك. لا بد لي أن أراكوإن كان بالناظر المحتضر
فديت التي صوّرتها منايوظل الكرى في هجير السهر
أطلي على من حباك الحياةفأصبحت حسناء ملء النظر!
******
اطلّي فتاة هواي والخيالعلى ناظر الرؤى عالق
بعشرين من ريقات السنينعبرن المدرات في خافقي
بعشرين كلاّ وهبت الربيعوما فيه من عمري العاشق
فما ظل إلا الربيع صغيرأخبّيه للموعد الرائق
******
سأروي على مسمعيك الغداةأحاديث سمّيتهن الهوى
وأنباء قلب غريق السرابشقيّ التداني ، كئيب النوى
أصيخي .. فهذي فتاة الحقولوهذا غرام هناك انطوى
أتدرين عن ربة الراعيات ؟عن الريف ؟ عما يكون الجوى
******
هو الريف هل تبصرين النخيل ؟وهذي أغانيه هل تسمعين
وذاك الفتى شاعر في صباهوتلك التي علمته الحنين
هي الفنّ من نبعت المستطابهي الحبّ من مستقاه الحزين
رآها تغني وراء القطيعكـ( بنلوب ) تستمهل العاشقين
*****
فما كان غير التقاء الفؤادينفي خفقة منهما عاتية
وما كان غير افترار الشفاةبما يشبه البسمة الحانية
وكان الهوى ، ثم كان اللقاءلقاء الحبيبين في ناحية
فما قال : أهواك ، حتى ترامىعياء على ضفة الساقية
******
وأوفى على العاشقين الشتاءويوم دجا في ضحاه السحاب
خلا الغاب ما فيه إلا النّخيلوإلا العصافير فهو ارتقاب
وبين الحبيبين في جانبيهمن السّعف في كل ممشى حجاب
فما كان إلا وميض أضاءذرى النخل وانحل غيم وذاب
******
ويا سدرة الغاب كيف استجارابأفنانك الناطفات المياه
رآها وقد بلّ من ثوبهاحيا زخ فاستقبلتها يداه
على الجدع يستدفئان الصدورعلى موعد كل آه بآه
سلي الجدع كيف التصاق الصدوربهزّاتها، وابتعاد الشفاة ؟
******
أشاهدت يا غاب رقص الضياءعلى قطرة بين أهدابها ؟
ترى أهي تبكي بدمع السماءأساها وأحزان أترابها ؟
ولكنّها كل نور الحقولودفء الشذى بين أعشابها
وأفراح كلّ العصافير فيهاوكلّ الفراشات في غابها
******
وذاك الخصام الذي لو يفدّيلفديت ساعته بالوئام
أفدّيه من أجل يوم ترفّيد فيه أو لفتة بالسلام
ومن أجل عينين لا تستطيعانان تنظرا دون ظل ابتسام
تذوب له قسوة في الأساريركالصحو ينحل عنه الغمام
******
خصاماً ولما نعلّ الكؤوس ؟أحطّمتها قبل أن نسكرا ؟
خصاماً ، وما زال بعض الربيعنديّاً على الصيف مخضوضرا ؟
خصاماً ؟ فهل تمنعين العيونإذا لألأ النّور أن تنظرا؟
وهل توقفين انعكاس الخيالمن النهر، أن يملك المعبرا ؟
******
أغاني شبابتي تستبيكوتدنيك مني، ففيم الجفاء ؟
كأن قوى ساحر تستبدّبأقدامك البيض، عند المساء
ويفضي بك الدّرب حيث استدار،إلى موعدي بين ظلّ وماء
على الشطّ، بين ارتجاف القلوعوهمس النخيل، وصمت السماء
******
وحجبت خدّيك عن ناظريبكفيك حينا وبالمروحات
سأشدو وأشدو فما تصنعيناذا احمر خدّاك للأغنيات ؟
وأرخيت كفيك مبهورتينوأصغيت، واخضل حتى الموات
إلى أن يموت الشعاع الأخيرعلى الشرق، والحب، والأمنيات
******
وهيهات، إن الهوى لن يموتولكنّ بعض الهوى يأفل
كما تأفل الأنجم الساهراتكما يغرب الناظر المسبل،
كما تستجمّ البحار الفساحملّيا، كما يرقد الجدول
كنوم اللظى، كانطواء الجناحكما يصمت الناي والشمأل !
******
أعام مضى والهوى ما يزالكما كان، لا يعتريه الفتور
أهذا هو الصيف يوفي علينافنلقاه ثانية، كالزهور
ولكنهمن زهور الخلودفلا أظمأت ريّهنّ الحرور
ولا نال من لونهّن الشتاءولا استنزفت عطرهن الدهور
******
أغانيّ ، والغاب قفر الوكونحبيس النسائم تحت الدوالي
ترى ماؤه، لاتّقاد الهجيرحريقا بما فوقه من ظلال
وفوق التعاشيب، حيث الغصونينؤن بأفيائهن الثقال
لها مضجع هدهدته العطورأأبصرت كيف اضطجاع الجمال؟
******
أأمسيت استحضر الذكرياتوما كان بالأمس كل الحياة؟
أضاعت حياتي ؟ أغاب الغرامأماتت على الأغنيات الشفاة؟
أنمسي، ومازال غاب النخيلخضيلا وما زال فيه الرعاة،
حديثا على موقد لسامرين :أحبّا، وخابا فوا حسرتاه؟
******
أناديك لو تسمعين النداءوأدعوك أدعوك! يا للجنون
إذا رن في مسمعيك الغداةمن المهد صوت الرضيع الحنون
ونادى بك الزوّج أن ترضعيهونادى صدى أخفتته السنون
فما نفعها صرخة من لهيبأدوّي بها ؟ من عساني أكون؟
******
أعفّرت من كبرياء النداء؟وأرجعت آمادي القهقرى؟
نسيت التي صورتها منايوناديت أنثى ككل الورى ؟
وأعرضت عن مسمع في السماءإلى مسمع في تراب القرى !
أتصغي فتاة الهوى والخيالوأدعو فتاة الهوى والثرى؟
******
وودعت سجواء بين الحقولودنيا عن الشر في معزل
وخلفت في كل ركن خصيلمن الريف ذكرى هوى أول
قصاصات أوراقي الهامساتبشعري على ضفة الجدول
وجذعا كتبت اسمها الحلو فيهونايا يغني مع الشمأل
******
فمن هذه المسترق القلوبصبى ملؤها روح الطافرة
أما كنت ودعت تلك العيونالظليلات والخصلة النافرة؟
كأني ترشفت قبل الغداةسنى هذه النظرة الآسرة !
أما كان في الريف شيء كهذا ؟اما تشبة الربة الغابرة؟!
******
مشى العمر ما بيننا فاصلافمن لي بأن أسبق الموعد ؟
ولكنه الحبّ منه الزمانثوان ومما احتواه المدى
أراها فانفض عنها السنينكما تنفض الريح برد الندى
فتغدو وعمري أخو عمرهاويستوقف المولد المولدا
******
وهل تسمع الشعر إن قلتهوفي مسمعيها ضجيج السنين
أطلت على السبع من قبل عشرين عاما وما كنّ إلا جنين ؟
وأمسى ولم تدر أنت الغرامهواها حديث الورى أجمعين
لقد نبّأوها بهذا الهوىفقالت : وما أكثر العاشقين ؟!
******
أمن قلبه انثال هذا النشيدإليها، إلى الذئبة الضارية ؟
ولو لم يكن فيه طعم الدماءما استشعرت رنة القافية
وما زال تسبيه غمّازتانتبوحان بالبسمة الخافية
وما زالتا تذكران الخيالبما كان في الأعصر الخالية
******
وبالحب والغادة المستبدصباها به ، يلعبان الورق
وكيف استكان الإله الصغيرفألقى سهام الهوى والحنق
رهان، رمى فيه غمّازتيهوورد الخدود، ونور الحدق
لك الله ، كيف اقتحمت القرونولم يخب في وجنتيك الألق ؟
******
كأن ابتسامتها والربيعشقيقتان ، لولا ذبول الزهر
أآذار ينثر تلك الورودعلى ثغرها ؟ أم شعاع القمر ؟
ففي ثغرها افترّ كل الزمانوما عمر آذار إلا شهر
وبالروح فديت تلك الشفاةوإن أذكرتني بكاس القدر !
******
أطلي على طرفي الدامعخيالا من الكوكب الساطع
وظلا من الأغصن الحالماتعلى ضفة الجدول الوادع
وطوفي أناشيد في خاطرييناغين من حبي الضائع
يفجرن من قلبي المستفيضويقطرن في قلبي السامع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق