* أيتها الغريبة،
|
أما زال في قلبك متسع لحبّي؟
|
- حبك لا يتسع له النسيان يا سيدي...
|
* ولكنك تحاولين مسح توقيعي عن جلد زمنك
|
بممحاة الزمن...
|
- أقتلك عند منتصف الليل،
|
وأتركك في الحي اللاتيني تتخبط بدمائك،
|
وحين أعود منهكة لأنام،
|
أجد شبحك متربعاً فوق وسادتي..
|
وعلى فمه ابتسامة انتصار.. وأنهار..
|
* وحينما أرحل، هل تفلحين في إلغائي؟
|
- ليل نهار، حضورك مهيمن في كل لحظة،
|
وإن كنت أعجز عن لقائك ورؤيتك
|
عجز العين عن رؤية الحاجب...
|
ما هو النسيان يا سيدي،
|
وأنت حين تزورني في كهفي الباريسي وتمضي،
|
تنمو شجرة ياسمين قرب مقعدك الخاوي،
|
وتفوح رائحة البحر البيروتي من آثار أقدامك...
|
***
|
* ولكنك متمردة حتى على حبّي...
|
- وهل عليّ أن أقيد الغجرية التي تقطنني
|
بالسلاسل، إلى حجارة سجنها..
|
وأجلدها بسياط الرياء لتتعلم الطاعة للتثاؤب؟
|
أم أعلن على الملأ
|
أن حياتي تزوجت من موتي، على قارعة التمرد،
|
فأنجبا طوفاناً من الحبر
|
راكضاً كالنمل على أوراق الدهشة والفضول...
|
متمردة؟ ربما، على المنطق اللامنطقي للأشياء...
|
ولأنني أصدق حبنا،
|
أقسم بالتحليق أن بساط الريح حقيقة واقعية،
|
حينما تمسك بيدي،
|
ونقلع معاً على شواطئ لبنان المقمرة، إلى القمر نفسه...
|
* متمردة مثلك، كيف تحب حرفي "التراثي" الصياغة؟
|
- عشق النجوم، رغم أنها "كلاسيكية"!...
|
هكذا أحب رياحك التي تتقن عربية أجدادي
|
وتعيدني في كل سطر
|
حبة رمل مطيعة في صحارى بلادي..
|
***
|
* ترحلين كثيراً، فهل نسيت لبنان؟
|
- أرحل وأنا أخبئ في قلبي
|
قرى متوّجة بالقرميد الأحمر،
|
تقطنها عصافير الذكريات وفراشاتها الذهبية..
|
أرحل بدروب جبلية لهثنا معاً
|
ونحن نتسلق أشواقنا وجموحنا فيها،
|
وشطآن اخترعت أبجدية الأفق...
|
أرحل ببيوت خضر احتوتنا معاً،
|
أغلق عليها ضلوعي بعد أن أقفل أبوابها جيداً
|
بمفاتيح صمت يشبه البكاء المتعجرف بكبريائه..
|
أرحل وأنا أخبئ في قلبي وجوهك وأصواتك
|
ويدهشني كيف لا تصفّر الماكينات الأمنية في المطارات
|
حين أعبر مضائقها ووطني في شراييني،
|
وكيف لا ترتسم صورتك في قاع ذاكرتي
|
على شاشات أجهزة كشف الخفايا والدواخل...
|
لا أريد أن أنفش الحروف كالقطن
|
حين أتحدث عنك وعن وطني،
|
ولكن حين تهرول أحصنة الليل السود فوق رأسي،
|
ماذا أقول لك، وأنا أتناول ذكرياتي
|
كالخبز المسموم على موائد الفراق؟
|
***
|
* وبيروت؟
|
- آه كيف يتكوم البكاء في حضن الليل ويبكي
|
ويرتجف كقط صغير مذعور،
|
كلما نسي نسياني بيروت...
|
وأنا أتابع عبثاً مشيتي المتعجرفة على الذكريات
|
في مدن جديدة، أصرّ على أن أتعلم حبها
|
كلما تعلمت لغاتها، وعبثاً أحاول،
|
فالمرء لا يملي على نفسه أحلامه وكوابيسه!...
|
بيروت؟ ثمة ضوء في آخر النفق،
|
فلنصلّ من أجله ليلة رأس السنة بخشوع،
|
بدلاً من هستيريا سيمفونية "الزمامير" والبالونات المفقوءة..
|
* وكيف ترين ما حولك؟
|
- أراه مصحاً عقلياً للسوريالية السياسية...
|
من رسم هذا الشطرنج الجهنمي وخلط أوراق اللعب
|
ولم نعد نميز بين "الثوار" ويسار الكافيار والدولار؟
|
لماذا تقيم نفرتيتي في برلين،
|
وما الذي أفعله أنا في الحي اللاتيني الباريسي،
|
وكيف تناثرنا هكذا بين القارّات غربة مغتربة؟
|
* ماذا تخبئ الأيام لحبنا؟
|
- لك أن تختار،
|
بين أن تظل هكذا، نجماً بعيداً يضيء حياتي بهدوء
|
وبين أن تهوي مرتطماً بأيامي كشهاب مجنون
|
لنحترق معاً...
|
لك أن تختار، بين مباهج البعد والشفافية والأبحدية
|
وبين محرقة العابر المشتعل الشهي كمذاق الفطر الشيطاني...
|
* وأنت ماذا تقولين؟
|
أقول كجدي الشاعر: "أمران أحلاهما مر" فراقك ولقاؤك...
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق